جنوب لبنان – لم تكن عطاف تتوقع أن يتحول موسم الزيتون هذا العام إلى انتظار قد ينتهي بانقضاء موعد القطاف، بعدما بات وصولها إلى أرضها في بلدة زوطر الشرقية في جنوب لبنان مشروطا بالحصول على موافقة أمنية. فمنذ نحو شهر، تقدمت بطلب إلى الجهات المعنية للسماح لها بقطف محصولها، لكن الرد لم يصل بعد، فيما يمضي الموسم وتتقلص فرص جني الثمار. وتقول عطاف، للجزيرة نت، إن وزارة الزراعة أبلغتها بتسلّم الطلب وإحالته إلى الجيش اللبناني لاستكمال الإجراءات، ومنذ ذلك الحين تنتظر الموافقة التي تتيح لها الوصول إلى أرضها عبر آلية التنسيق المرتبطة بلجنة "الميكانيزم"، من دون أن تعرف موعد صدورها. وتوضح أن الوضع الأمني والتحركات الإسرائيلية في محيط الأرض يمنعانها من التوجه إليها، خشية تعرضها للخطر. ولا تقتصر هذه المعاناة على عطاف، إذ يواجه مزارعون في عدد من القرى الحدودية جنوبي لبنان صعوبة في الوصول إلى بساتينهم، بعدما أصبح دخولها مرتبطا بتصاريح وتنسيق مسبق، في وقت لا يحتمل فيه موسم القطاف مزيدا من التأخير. في دير ميماس، يقول لؤي إن تقديم طلب الدخول يتطلب بيانات تفصيلية عن أصحابها والعاملين المشاركين في القطاف، فضلا عن معلومات عن المركبات المستخدمة، تشمل صور الهويات ورخص القيادة وتسجيل السيارات، مع تحديد عدد الأشخاص وموقع الأرض وطبيعة النشاط الزراعي. ويضيف للجزيرة نت أن بعض الطلبات في البلدة مضى على تقديمها أكثر من شهر، لافتا إلى اشتراطات تتعلق بهويات الأشخاص المسموح لهم بالدخول، مما "صعّب على بعض أصحاب الأراضي الاستعانة بعمال للمشاركة في القطاف". وتشمل الصعوبات أيضا ظروف الدخول والتنقل في المناطق الحدودية، حيث يضطر المزارعون أحيانا إلى التحرك ضمن مجموعات والالتزام بمواعيد محددة للدخول والمغادرة. ويطالب لؤي الجهات المعنية بتقديم دعم عملي للمزارعين، سواء عبر التعويض عن الخسائر أو توفير معدات القطاف، مثل آلات جمع الزيتون والفرش والأدوات الزراعية، "التي ارتفعت أسعارها وأصبحت تشكل عبئا إضافيا على أصحاب الأراضي". ويزداد أثر التأخير مع اقتراب نهاية الموسم، الذي يبدأ قطاف الزيتون فيه عادة من منتصف أكتوبر/تشرين الأول ويستمر حتى منتصف نوفمبر/تشرين الثاني 2026، وقد يمتد في بعض المناطق إلى نهاية الشهر. وفي دير ميماس والقرى المحيطة بها، يبدأ القطاف مبكرا مقارنة بمناطق أخرى، مما يجعل انتظار الموافقات يستهلك جزءا من الوقت المتاح لجني المحصول. ويمتد القلق إلى احتمال فقدان جزء من الإنتاج إذا تعذر الوصول إلى الأشجار في الوقت المناسب، إذ قد يؤدي بقاء الثمار على الأغصان إلى تساقط بعضها أو تراجع جودتها، بحسب ظروف النضج والطقس والصنف. وتأتي هذه المخاوف في ظل أضرار واسعة لحقت بالقطاع الزراعي في الجنوب جراء الاعتداءات الإسرائيلية. ففي أحدث بياناتها المنشورة في مايو/أيار 2026، أفادت وزارة الزراعة بتضرر نحو 24 ألف هكتار من الأراضي المزروعة بالزيتون في المنطقة بصورة مباشرة، وخروج 750 هكتارا من الخدمة بفعل التجريف واقتلاع أشجار الزيتون وسرقتها. وحتى عندما يتمكن المزارعون من الوصول إلى أراضيهم، تبقى تكاليف الإنتاج والنقل والعصر تحديا إضافيا، في ظل ارتفاع أسعار المحروقات اللازمة لتشغيل الآليات الزراعية ومعاصر الزيتون ومولداتها الكهربائية. كما أدى إغلاق طرق مختصرة كانت تستخدم للوصول إلى بعض البساتين إلى اضطرار المزارعين لسلوك مسارات أطول، بما يزيد الوقت والتكلفة. ويرى المحلل السياسي والخبير الإستراتيجي والعسكري بهاء حلال أن إخضاع وصول المزارعين إلى أراضيهم الحدودية لتنسيق أمني مسبق يعكس 3 أبعاد مترابطة: الأول: تقييد الحركة المدنية في مناطق لا تزال تشهد مخاطر ميدانية. الثاني: ارتباط إدارة الوصول بآلية تنسيق تشارك فيها لجنة "الميكانيزم"، بما يكشف "محدودية قدرة المؤسسات اللبنانية على إدارة الوضع الأمني بصورة مستقلة". الثالث: احتمال تحول هذه التدابير الاستثنائية إلى نمط دائم يربط حركة السكان بموافقات أمنية مسبقة. ويوضح حلال للجزيرة نت أن التنسيق الأمني لا يعني بالضرورة تنازلا قانونيا عن السيادة اللبنانية، لكنه قد يعكس محدودية القدرة على ممارستها فعليا في بعض المناطق، ولا سيما عندما يصبح وصول المواطنين إلى ممتلكاتهم مرتبطا بترتيبات لا يملكون التحكم بها. ويتوقف تقييم طبيعة هذه القيود -برأيه- على نطاقها ومدتها والأسباب التي تستدعي استمرارها، فوجود ذخائر غير منفجرة، والدمار الذي خلفته الحرب، واستمرار الاعتداءات الإسرائيلية، كلها عوامل تفرض تدابير احترازية لحماية المدنيين في مرحلة ما بعد الحرب. لكن حلال يحذر من أن استمرار منع الوصول إلى بعض الأراضي، في غياب سقف زمني واضح أو خطوات عملية لمعالجة أسباب القيود، قد يحول الإجراءات المؤقتة إلى واقع دائم، ولا تقتصر نتائج ذلك على خسار