دعا نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، العلامة الشيخ علي الخطيب، السلطة اللبنانية إلى مراجعة مواقفها السياسية واعتماد رؤية وطنية موحّدة تتيح حماية الدولة والمقاومة معًا في مواجهة إسرائيل، معتبرًا أن نتائج الانتخابات الأميركية والإسرائيلية كشفت حجم الانقسامات الداخلية وتراجع التأييد للحروب، فيما وجّه انتقادات حادّة إلى بيان السفارات الخمس الصادر تحت اسم "أصدقاء لبنان"، واصفًا إياه بأنه "تدخّل سافر" في الشؤون الداخلية اللبنانية، ومحذّرًا من تداعياته على السلم الأهلي. وجاءت مواقف الخطيب خلال خطبة الجمعة في مقر المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى على طريق المطار، حيث تناول نتائج الانتخابات الأميركية والإسرائيلية وانعكاساتها على المنطقة، إلى جانب موقع لبنان في التحولات الإقليمية والتحديات التي تواجهه على المستويين السياسي والوطني. وفي قراءته لنتائج الانتخابات، رأى الخطيب أنها "خيّبت آمال قادة العدوان في الولايات المتحدة وإسرائيل"، وكشفت حجم الانقسام والشرخ داخل المجتمعين الأميركي والإسرائيلي حيال الحروب التي شُنّت على إيران ولبنان والفلسطينيين واليمن ومحور المقاومة عمومًا، معتبرًا أن الأميركيين أنفسهم أقرّوا بأن خسائرهم الانتخابية ارتبطت بهذه الحرب. وأوضح أن الدلالة السياسية الأبرز للانتخابات الأميركية تتمثل في تحوّل الحرب على إيران من مواجهة خارجية تديرها الإدارة الأميركية إلى قضية ذات كلفة انتخابية واقتصادية وسياسية مباشرة على الداخل الأميركي. وفي هذا السياق، اعتبر أن الصمود الإيراني شكّل أحد العوامل المؤثرة في البيئة التي أفرزت نتائج الانتخابات، من دون أن يكون السبب الوحيد أو المباشر لها. وأشار إلى أن التجربة أظهرت، برأيه، أن التفوق العسكري لا يكفي وحده لفرض الإرادة السياسية، وأن قدرة الدول والشعوب على الصمود والاستمرار قد تدفع القوى الكبرى إلى مراجعة حساباتها، خصوصًا عندما تترافق الحروب مع أثمان اقتصادية وسياسية داخلية. أما في ما يتعلق بمحور المقاومة، فرأى الخطيب أن أهميته تكمن في قدرته على التأثير في حسابات إسرائيل والولايات المتحدة، ومنع اختزال الصراع الإقليمي في مواجهة ثنائية بين قوة عسكرية متفوقة ودولة مستهدفة. واعتبر أن نتائج الانتخابات تحمل رسالة مفادها أن القوة العسكرية الأميركية ليست بمنأى عن المساءلة الداخلية، وأن الحروب التي لا تحقق أهدافها وتفرض أعباء اقتصادية ومعيشية على الأميركيين قد تتحول إلى عبء سياسي على أصحاب القرار. ولفت إلى أن استمرار صمود إيران ومحور المقاومة، إذا ترافق مع القدرة على إدارة المواجهة سياسيًا ودبلوماسيًا، قد يسهم في إعادة رسم توازنات المنطقة وفتح المجال أمام معادلات جديدة لا تستند حصرًا إلى التفوق العسكري الأميركي والإسرائيلي. وانطلاقًا من هذه القراءة، انتقل الخطيب إلى الموقف اللبناني، داعيًا السلطة إلى إعادة تقييم سياساتها والخروج من رهاناتها السابقة على انتصار الولايات المتحدة وإسرائيل وهزيمة إيران ومحور المقاومة، معتبرًا أن التطورات الإقليمية تتيح للبنان فرصة لمراجعة موقعه في الصراع الإقليمي وبلورة مشروع وطني خاص به. وشدّد على أن الانقسام الداخلي يشكّل أحد أبرز العوائق أمام استفادة لبنان من التحولات الإقليمية والدولية، مؤكدًا أن التوافق على اعتبار إسرائيل مصدر التهديد الخارجي، وعلى أن حماية السيادة مسؤولية مشتركة، من شأنه تحسين موقع لبنان في أي تسوية إقليمية. وفي هذا الإطار، دعا إلى معالجة الخلاف بشأن استراتيجية الدفاع عبر الحوار والتفاهم، محذّرًا من أن استمرار الانقسام قد يضع لبنان مجددًا أمام تسويات يحدّد الآخرون شروطها وحدودها. وقال إن "من لا يمتلك رؤية وطنية موحدة، لا يستطيع أن يحسن استثمار التحولات الدولية مهما كانت كبيرة". وأكد الخطيب أن لبنان قادر على الاستفادة من صمود إيران ومحور المقاومة، شرط تحويل هذا المتغير الإقليمي إلى فرصة لبناء تفاهم وطني يحمي الدولة والمقاومة معًا، ويمنع إسرائيل من فرض شروطها على مستقبل البلاد. وفي ختام مواقفه السياسية، انتقد الخطيب البيان الصادر عن السفارات الخمس في لبنان تحت اسم "أصدقاء لبنان"، معتبرًا أنه يشكّل "تدخّلًا سافرًا في الشؤون الداخلية اللبنانية". وأعلن إدانته للبيان، مطالبًا الدول المعنية بالتوقف عن التدخل في قضايا تشكّل موضع خلاف بين اللبنانيين، ومحذّرًا من أن إثارتها بهذه الطريقة قد تؤدي إلى توترات داخلية. وشدّد على ضرورة تجنّب كل ما من شأنه إثارة الفتنة، حفاظًا على السلم الأهلي.