تتلاقى في مجمع سيد الشهداء في منطقة الرويس حكايات المزارعين والحرفيين من مختلف المناطق اللبنانية، وتحضر معها منتجات القرى وذاكرة الأرض. في معرض "سوق أرضي 2026"، لا تقتصر الحكاية على البيع والتسويق، بل تتجاوزهما إلى مساحة تجمع لبنانيين من مناطق وطوائف مختلفة، وتفتح بينهم لقاءً عنوانه الإنتاج المحلي والتمسك بالأرض، في مكان يحاول استعادة نبض الحياة بعد الحرب والدمار. من جونية، تحضر ريموندا قزيلي للمرة الرابعة، حاملة صناعاتها اليدوية إلى المعرض. تقول لـ"المدن" إن جونية لا تبعد سوى 20 دقيقة عن الضاحية الجنوبية، وإنها اعتادت أن تجعل من "سوق أرضي" محطة سنوية لتسويق منتجاتها والتواصل مع الزبائن. بالنسبة إليها، لا تختصر المسافة بين المنطقتين بالكيلومترات، ولا تحول الاختلافات بين أبنائهما دون هذا اللقاء، الذي يتجدد عاماً بعد عام. وعلى امتداد طاولات المعرض، تتجاور مونة القرى الجنوبية مع زيت الزيتون من إنتاج الكورة، والحرف اليدوية من جونية ومناطق أخرى. لكل منتج حكاية ومكان، ولكل عارض سبب يدفعه إلى الحضور. لكن الجميع يلتقون عند رغبة مشتركة في إيصال إنتاجهم إلى الناس ومواصلة العمل، رغم الأزمات الاقتصادية وتداعيات الحرب التي أثقلت كاهل المزارعين والحرفيين، ولا سيما في القرى الجنوبية. اختيار مجمع سيد الشهداء في منطقة الرويس لاستضافة المعرض يضفي على المكان دلالة إضافية. فالمجمع، الذي شكّل على مدى سنوات مركزاً دينياً واجتماعياً وثقافياً بارزاً لدى جمهور "حزب الله"، ارتبط بإحياء المناسبات الدينية الكبرى، ولا سيما خلال شهر محرم وعاشوراء. كما يحمل ذاكرة ثقيلة من الحروب الإسرائيلية على لبنان، إذ تعرض للتدمير خلال حرب العام 2006، ولأضرار واستهدافات خلال الحروب اللاحقة في العامي 2024 و2026. في هذا المكان الذي ارتبط بالاجتماعات والاحتفالات الدينية، تُنصب اليوم طاولات المزارعين والحرفيين، وتُعرض منتجات تحمل أسماء قرى وبلدات لا تزال تواجه تداعيات الحرب. ويتحول المجمع، ولو مؤقتاً، إلى مساحة للتبادل الاقتصادي والاجتماعي، تستعيد فيها الضاحية جزءاً من حركتها، فيما يحاول المشاركون إبقاء صلتهم بأرضهم وأسواقهم. افتُتح المعرض تحت عنوان "باقي بأرضي"، بمشاركة نحو ألف عارض اختيروا من بين قرابة 1800 طلب مشاركة، عبر القرعة، نظراً إلى محدودية المساحة وعدم القدرة على استيعاب جميع المتقدمين. وتضم السوق منتجات زراعية ومونة بلدية وحرفاً يدوية من مختلف المناطق اللبنانية، مع حضور لافت لمنتجات القرى الجنوبية. ويهدف المعرض إلى دعم المزارعين والحرفيين، وإتاحة مساحة لتسويق إنتاجهم والتعريف به، في وقت تواجه فيه قطاعات زراعية وحرفية تحديات متراكمة بفعل الأزمة الاقتصادية والحرب وتراجع القدرة الشرائية وتضرر الأراضي والمرافق الإنتاجية. من بلدة الريحان الجنوبية، أتت أمينة بمنتجات المونة التي أعدتها بجهد شخصي، وسط ظروف لم تكن سهلة. تقول إن مشاركتها ليست مجرد فرصة للبيع، بل ترتبط بعلاقة خاصة بالمكان: "أشعر أن هذا المعرض بيتي. ثابرت وعملت حتى أتمكن من إعداد المونة والمشاركة، رغم الأوضاع الصعبة". بالنسبة إلى أمينة، الاستعداد للمشاركة في المعرض نوع من محاولة للاستمرار، في ظل واقع يفرض على أصحاب المشاريع الصغيرة البحث عن منافذ لتصريف إنتاجهم، بعدما تقلصت فرص العمل والتسويق في عدد من المناطق. ومن بلدة مركبا الجنوبية المحتلة، حضر أبو علي بمنتجات العسل، حاملاً معه حكاية أخرى عن الحرب والعودة. "نحن عشاق حياة"، يقول، مختصراً بهذه العبارة دوافع مشاركته. هو لا يخفي حجم الدمار الذي لحق بقريته، لكنه متيقّن من أن العودة إليها قريبة. ويلفت إلى أن زوار المعرض قدموا من مناطق لبنانية مختلفة، وأن التفاعل مع العارضين ومنتجاتهم كان لافتاً ومحفزاً. ويدعو الناس إلى زيارة السوق، معتبراً أن الحركة التي تشهدها تعكس تمسك السكان بالحياة، وتناقض الصورة التي تُقدّم عن الضاحية باعتبارها منطقة فارغة أو متوقفة عن الحركة. أما من الكورة الشمالية، فحضر تامر بمنتجات الزيت والزيتون. ويقول إن الأزمات التي يمر بها لبنان منذ سنوات لم تمنعه من المشاركة، مؤكداً الإصرار على الوصول بمنتجاته إلى أكبر شريحة ممكنة من الناس. فبالنسبة إلى المنتجين، لا تنفصل المشاركة في المعرض عن البحث عن أسواق جديدة، في ظل الصعوبات التي تواجه الإنتاج المحلي والتسويق والتوزيع. بين كلفة المشاركة وغياب الدعم وراء هذا الحضور المتنوع، تبرز أيضاً أسئلة تتعلق بكلفة المشاركة والجهات التي تتحمل أعباء تنظيم المعرض. وبحسب مصدر مطلع، تبلغ مساهمة العارض الواحد 100 دولار، تُخصص للتكاليف اللوجستية طوال فترة المعرض، فيما تُفرض رسوم أعلى على طاولات الدعاية والإعلانات، تبدأ من 200 دولار. ورغم حجم المشاركة والإقبال، يعترض بعض العارضين على غياب الدعم الرس