في واشنطن تكفي ورقة انتخابية تسقط في صندوق اقتراع فتهز العالم، وتعيد رسم الحسابات في غرف العمليات العسكرية، وعلى طاولات التفاوض، وفي عواصم تنتظر قرارا أميركيا قد يغيّر مصيرها. في الثالث من تشرين الثاني، لم يخسر الجمهوريون مجرد مقاعد في الكونغرس، بل خسروا السيطرة على المؤسستين اللتين تمنحان الرئيس القدرة التشريعية والمالية على تحويل قراراته إلى سياسات مستدامة. الفيل الجمهوري بقي في البيت الأبيض، لكن الحمار الديمقراطي دخل مجلسَي الكونغرس. وبين الاثنين، تقف حروب العالم أمام مرحلة جديدة من الصراع على القرار الأميركي. فهل كانت هذه الانتخابات تصويتا ضد الجمهوريين، أم احتجاجا على الحروب التي تخوضها واشنطن؟ وهل أصبحت كلفة الحرب مع إيران أكبر من قدرة ترامب على الدفاع عنها سياسيا؟ لم تكن نتائج الانتخابات مجرد تبدّل تقليدي في المزاج الأميركي. فقد حقق الديمقراطيون اختراقات في ولايات اعتُبرت طويلا معاقل جمهورية، بينها تكساس وكارولاينا الجنوبية وكانساس، في مؤشر إلى اتساع الاعتراض على سياسات الإدارة، ولا سيما ارتفاع تكاليف المعيشة والحرب مع إيران. لكن الأخطر بالنسبة إلى الجمهوريين ليس حجم الخسارة وحده، بل السؤال الذي تطرحه داخل الحزب: هل يستطيع المشروع السياسي الذي بناه ترامب أن يستمر بالقوة نفسها عندما لا يكون ترامب شخصيا على ورقة الاقتراع؟ هذا السؤال يتجاوز انتخابات 2026 إلى مستقبل الحزب في 2028، وإلى طبيعة القيادة التي ستخلف ترامب بعد انتهاء ولايته الثانية. فالنتيجة لا تحسم الانتخابات الرئاسية المقبلة، لكنها تفرض على الجمهوريين مراجعة العلاقة بين شعبية الرئيس الشخصية، وأداء مرشحي الحزب، وكلفة خياراته الاقتصادية والعسكرية. ففي الثامن والعشرين من شباط 2026، بدأت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. وبعد أشهر من العمليات العسكرية وتداعياتها الاقتصادية، تحوّلت الحرب إلى قضية داخلية أميركية، بعدما انعكست على أسعار الطاقة وتكاليف المعيشة. والمفارقة أن ترامب، الذي دافع عن الحرب بوصفها ضرورة لمنع إيران من امتلاك السلاح النووي، وجد نفسه أمام واقع سياسي جديد: استمرار العمليات قد يزيد الضغوط الداخلية، بينما إنهاؤها من دون تسوية واضحة قد يفتح باب التساؤلات بشأن النتائج التي تحققت مقابل الكلفة المدفوعة. وهنا تبرز ثلاثة مسارات استراتيجية: الأول، مواصلة التصعيد العسكري لإجبار طهران على تقديم تنازلات أوسع. والثاني، الانتقال إلى تفاوض يتيح إعلان تحقيق الأهداف الأساسية من دون استمرار حرب مفتوحة. أما الثالث، فهو استمرار العمليات المحدودة والضغوط الاقتصادية في ظل مفاوضات متعثرة. لكن ثمة تفصيلا حاسما: الديمقراطيون يستطيعون استخدام الموازنات والتحقيقات والرقابة لتقييد الإدارة، إلا أن السيطرة على الكونغرس لا تعني امتلاك القدرة الفورية على وقف كل العمليات العسكرية، خصوصا مع احتفاظ الرئيس بصلاحياته الدستورية وحق النقض. والسؤال الاستراتيجي هنا ليس فقط متى تنتهي الحرب، بل أي إيران ستخرج منها، وأي نفوذ أميركي سيبقى في المنطقة بعد توقف المدافع. فداخل الإدارة الأميركية، بدأت نتائج الانتخابات تفتح ملف المسؤولية السياسية والعسكرية عن الحرب بأن ترامب استطلع آراء مستشاريه بشأن مستقبل وزير الدفاع بيت هيغسيث CBSوقد أفادت شبكة فيما عاد الرئيس وأشاد علنا بأدائه، من دون إعلان قرار بإقالته وهنا تكمن معضلة أي تغيير محتمل في البنتاغون: هل يُفسَّر بوصفه تصحيحا للمسار العسكري، أم اعترافا ضمنيا بوجود أخطاء في إدارة الحرب؟ إقالة الوزير إن حدثت لن تعني بالضرورة تغيير الاستراتيجية، فقد تتبدل القيادة العسكرية ويبقى القرار السياسي نفسه. أما بقاء هيغسيث، فسيجعل الإدارة أكثر ارتباطًا بنتائج العمليات المقبلة، وخصوصا إذا توسّعت التحقيقات البرلمانية بشأن الكلفة والأهداف والتقديرات العسكرية. أما على الجبهة الأوروبية، تفتح الأكثرية الديمقراطية الجديدة بابا لإعادة النقاش حول المساعدات الأميركية لأوكرانيا والعلاقة مع موسكو، فالديمقراطيون يستطيعون الدفع باتجاه تشريعات تزيد الدعم العسكري والمالي لكييف، وتعيد التشدد في ملف العقوبات على روسيا. لكن ذلك لا يعني تلقائيا عودة السياسة الأميركية إلى ما كانت عليه في عهد جو بايدن، لأن الرئيس لا يزال يملك أدوات واسعة في الدبلوماسية والتنفيذ، فضلا عن حق النقض. ومن زاوية استراتيجية، قد يجد الكرملين نفسه أمام واشنطن تتحدث بصوتين: رئيس يسعى إلى فرض تسوية بشروطه، وكونغرس يطالب بضمانات أقوى لأوكرانيا وبموقف أكثر صرامة تجاه روسيا هذا التباين قد يعقّد المفاوضات بدل أن يسرّعها، لأن موسكو وكييف ستضطران إلى حساب قدرة أي اتفاق رئاسي على الصمود أمام المؤسسات الأميركية. فروسيا لن تفاوض ترامب وحده، بل ستراقب أيضا حدود ما يستطيع ترامب أن يَعِد به وينفّذه