بعد أيام من تحذير قادة عسكريين أميركيين وزير الدفاع بيت هيغسيث من أن استمرار الانتشار العسكري الواسع المرتبط بالحرب مع إيران يهدّد جاهزية القوات في مسارح أخرى، عادت المواجهة إلى التصعيد بقوة. ففي 1 أيلول/سبتمبر، شنّت القوات الأميركية موجة جديدة من الضربات داخل إيران استهدفت، وفق القيادة المركزية الأميركية، مواقع للدفاع الجوي وأنظمة رادار وأصولاً بحرية وقدرات لزرع الألغام ومواقع اتصالات تابعة للحرس الثوري. وردّت طهران بهجمات صاروخية ومسيّرة استهدفت مواقع وقواعد أميركية في دول عدة في المنطقة. ويضع التصعيد الجديد البنتاغون أمام معادلة أكثر تعقيداً، إذ تقول القيادة المركزية إن أكثر من 50 ألف عسكري أميركي يعملون حالياً في أنحاء الشرق الأوسط، فيما تتزايد المؤشرات إلى تراجع مخزونات بعض الذخائر المتقدمة، وامتداد مهمات وحدات وسفن، وتحويل أصول عسكرية من مناطق أخرى لدعم العمليات ضد إيران. وبحسب تقرير لصحيفة "واشنطن بوست"، حذّر عدد من كبار القادة العسكريين هيغسيث من أن إطالة أمد العمليات الواسعة النطاق ضد إيران تنطوي على مخاطر متزايدة على قدرة الولايات المتحدة على مواجهة تهديدات أخرى، بما فيها حماية الأراضي الأميركية. وسجّل قادة القيادة الأوروبية والقيادة الجنوبية وقيادة المحيطين الهندي والهادئ، إلى جانب رئيس العمليات البحرية، اعتراضهم على تمديد انتشار قوات تابعة لهم، مع التأكيد أنهم سينفذون الأوامر. أما قيادتا الجيش والقوات الجوية، فوافقتا على مسار التمديد مع التحذير من المخاطر التي يفرضها استمرار الانتشار. وأشار التقرير إلى أن بعض القوات قد تبقى في المنطقة حتى عام 2027. تظهر الضغوط بصورة خاصة في البحرية الأميركية، التي تحمّلت جزءاً كبيراً من أعباء الحرب، من الضربات المباشرة والدفاع عن القوات الأميركية إلى العمليات البحرية المرتبطة بمضيق هرمز. ووفق "واشنطن بوست"، أبلغ رئيس العمليات البحرية الأميرال داريل كودل هيغسيث أن نحو ربع أسطول المدمرات فقط بات جاهزاً للانتشار، محذراً من أن استمرار الوتيرة الحالية يضغط على برامج الصيانة وقدرة الأسطول على الاستجابة إذا اندلع نزاع آخر. كما أبلغ بأن البحرية لا تستطيع المحافظة على المستوى الراهن من الدعم للحرب من دون أفق واضح لانتهائها. وجاء مؤشر إضافي إلى حجم الضغط التشغيلي في 2 أيلول، مع وصول حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" إلى تايلاند بعد بقائها 286 يوماً متواصلة في البحر، في انتشار شمل عمليات قتالية ومهمات مرتبطة بالحرب مع إيران. وتحمل الحاملة نحو 5 آلاف عسكري، فيما خُصص توقفها للراحة والدعم اللوجستي. وزير الدفاع الاميركي بيت هيغسيث في البنتاغون، (،كالات). ولا يقتصر الضغط على الأفراد والسفن. فقد نقلت "رويترز" في آب/أغسطس عن مصادر مطلعة أن الولايات المتحدة استخدمت "تقريباً كامل" مخزونها المتاح من صواريخ ATACMS وصواريخ PrSM البعيدة المدى خلال الحرب، فيما استُهلك أقل بقليل من نصف المخزون العالمي الأميركي من صواريخ "توماهوك"، وفق أحد المصادر. وقدّر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية "CSIS" أن نحو 65 في المئة من صواريخ "باتريوت" الاعتراضية استُهلكت بين شباط/فبراير وتموز/يوليو، وأن مخزون صواريخ "ثاد" تراجع بما لا يقل عن 38 في المئة مقارنة ببداية الحرب. وقال مصدران لـ"رويترز" إن هذه التقديرات تتطابق مع بيانات أميركية داخلية، فيما تبقى الأرقام الدقيقة للمخزونات العسكرية سرية. يقول الأستاذ الجامعي في العلوم السياسية العميد الركن حسن جوني لـ"النهار" إنه "يمكن القول إن الحرب، بعد هذه المدة الطويلة، أنهكت القوات الأميركية المنتشرة في المنطقة بالتوازي مع تراجع مخزون الذخائر الاحتياطية، خصوصاً صواريخ "باتريوت" و"ثاد" الاعتراضية، إضافة إلى صواريخ "توماهوك". وقد بات هذا الأمر مؤكداً في ضوء تصريحات مسؤولين أميركيين تحدثوا عن وضع المخزونات". لكن المسألة، بحسب جوني، لا تتعلق بنفاد هذه الذخائر "بقدر ما ترتبط بتراجع مستوى المخزون الاحتياطي اللازم للحفاظ على مستوى الردع الأميركي عالمياً، أو المخزون الضروري لإعادة شن حرب واسعة على إيران". لذلك، يؤكد أنه "لا يمكن القول إن القوات الأميركية فقدت جاهزيتها لمواجهة تحديات أو تهديدات أخرى، سواء من إيران أو من جهات أخرى، وإنما تراجعت درجة هذه الجاهزية". ويشير إلى أن "القدرات الأميركية الكبيرة، ولا سيما البحرية والجوية، لا تزال بعيدة عن الاستنزاف الكامل. فقد تركز استنزاف الحرب بين الولايات المتحدة وإيران بصورة أساسية على الذخائر، إضافة إلى إنهاك القوات. وهذا الإنهاك يمكن تعويضه سريعاً نسبياً من خلال عمليات الصيانة وإعادة الانتشار، فيما يشكل استنزاف الذخائر تحدياً أكبر، إذ إن تعويض المخزونات قد يحتاج إلى سنوات، رغم أن الولايات المتحدة بدأت بالفعل بمحاولات لإعادة بنائ