في ظل تزايد أعداد كبار السن في لبنان وتداعيات الهجرة على الروابط العائلية، أطلق وزير الصحة السابق الدكتور فراس الأبيض، بالشراكة مع اختصاصيين، مؤسسة "أنس" (UNS) تحت شعار "رحلة من الرعاية" (A Journey of Care)، لتقديم خدمات رعاية منزلية متكاملة تتيح للمسنّين البقاء في منازلهم بكرامة واستقلالية، في وقت تشير فيه الإحصاءات إلى أن نحو واحد من كل 10 مقيمين في لبنان تجاوز سن 65 عامًا، وسط توقعات بارتفاع النسبة إلى واحد من كل 4 بحلول عام 2050. وجرى إطلاق المؤسسة خلال حفل في فندق VOCO، برعاية وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد، وحضور وزير الصحة العامة ركان ناصر الدين، والوزير الأسبق غطاس خوري، إلى جانب شخصيات طبية ونقابية وممثلين عن جمعيات أهلية ومنظمات دولية. وتقوم مبادرة "أنس" على توفير الرعاية الصحية والنفسية والاجتماعية للمسنّين داخل منازلهم، بالتنسيق مع أطبائهم المعالجين، بما يشمل المساعدة في تأمين الأدوية والعلاجات الفيزيائية والدعم المعنوي، انطلاقًا من ثلاثية "أنس، كرامة، سكينة". كما تعتمد المؤسسة على فريق من الاختصاصيين المدرّبين لمتابعة احتياجات كبار السن ومساندة عائلاتهم، وتعمل على توفير فرص عمل من خلال تدريب مجاني للراغبين في تقديم الرعاية المنزلية، إلى جانب إشراك طلاب جامعيين في مبادرات تطوعية. وخلال الحفل، أكد وزير الصحة العامة ركان ناصر الدين أن تسمية "أنس" تحمل دلالة إنسانية ترتبط بالطمأنينة والراحة، مشيرًا إلى أن المبادرة انطلقت من تجارب عائلية عاشها مؤسسوها مع أشخاص احتاجوا إلى الرعاية. وشدد على أهمية تمكين المسنّ من العيش بكرامة داخل منزله، مؤكدًا دعم وزارة الصحة للمبادرة، معربًا عن أمله في توسعها وإطلاق نماذج مماثلة مستقبلًا. من جهته، أوضح فراس الأبيض أن التقدم في السن أصبح ظاهرة متزايدة في لبنان، خصوصًا مع موجة الهجرة التي بدأت عقب الانهيار المالي، والتي صنّفها مرصد الأزمة في الجامعة الأميركية في بيروت ثالث أكبر موجة هجرة في تاريخ البلاد. ولفت إلى أن مرحلة الشيخوخة، التي يُفترض أن تكون فترة راحة وطمأنينة، تتحول لدى بعض المسنّين إلى عزلة ووحدة قد تسهمان في تسارع الأمراض، ما دفع إلى إطلاق "أنس" لتقديم رعاية تتجاوز الجانب الطبي إلى الأبعاد النفسية والاجتماعية والإنسانية. وأكد الأبيض أن نجاح المبادرة يرتكز على تضافر جهود القطاعين العام والخاص والمجتمع الأهلي، مشيرًا إلى التعاون مع جمعية "كبيرنا" وجامعة AUST لإشراك الطلاب في العمل التطوعي، فضلًا عن توفير التدريب المجاني وخلق فرص عمل في مجال الرعاية المنزلية. بدورها، أكدت الشريكة المؤسسة فاديا سعادة أن جوهر "أنس" يتمثل في منح كبار السن وعائلاتهم راحة البال، خصوصًا اللبنانيين المقيمين في الخارج، من خلال تنظيم الرعاية المنزلية وإعداد خطط فردية تتناسب مع احتياجات كل شخص، مع استخدام التكنولوجيا لإبقاء العائلات على تواصل مع أحبائها. وأشارت إلى أن المؤسسة تسعى أيضًا إلى الاستثمار في اقتصاد الرعاية وخلق فرص عمل، ولا سيما للنساء، عبر التدريب على المهارات اللازمة لهذا القطاع. أما الشريك المؤسس مصباح الخطيب، فشدد على أن الرعاية لا تقتصر على الخدمات الطبية والمساعدة اليومية، بل تشمل المرافقة والإصغاء والدعم الإنساني، مؤكدًا أن المهنيين المدرّبين والأنظمة الموثوقة والمعايير العالية تبقى ضرورية، لكن لا يمكن لأي تكنولوجيا أو ذكاء اصطناعي أن يحلّ مكان "قلب إنساني". وفي ختام الحفل، أكدت وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد أن المبادرة تستجيب لحاجة لبنان إلى تطوير مفهوم الرعاية، بحيث تصل الخدمات إلى منازل المحتاجين إليها، سواء كانوا من كبار السن أو الأشخاص ذوي الإعاقة أو الأيتام. وقالت: "الرعاية الجيدة لا تعني دائمًا أن ننقل الإنسان إلى مكان الرعاية. أحيانًا، المطلوب أن ننقل الرعاية إليه". وحذّرت السيد من أن الشيخوخة باتت تحولًا ديموغرافيًا يتطلب الاستعداد له، مشيرة إلى الاستراتيجية الوطنية لكبار السن 2020–2030 وخطة عمل وزارة الشؤون الاجتماعية، التي تشمل الجوانب الصحية والنفسية والاقتصادية والاجتماعية والحماية من العنف والإهمال. وكشفت أن الوزارة تدعم حاليًا رعاية نحو 1450 مسنًّا عبر المؤسسات المتعاقدة معها، مؤكدة أن الرعاية المنزلية يجب أن تكون جزءًا من منظومة متكاملة، لا بديلًا عن المؤسسات القائمة. كما شددت على أهمية التعاون بين الدولة والجمعيات والقطاع الخاص، بما يضمن جودة الخدمات ويفتح فرص عمل جديدة، خصوصًا للنساء، ضمن ما يُعرف بـ"اقتصاد الرعاية". وأكدت في ختام كلمتها أن كرامة الإنسان في الشيخوخة لا تعني فقط توفير الرعاية له، بل الحفاظ على استقلاليته وحقه في اختيار المكان والطريقة التي يريد أن يعيش بها.