كان يترك الخبز في الفرن، ويذهب ليستمع إلى الحكّائين. في الوقت الفاصل بين تسليم العجين ونضجه، ينفتح أمام الطفل سعيد يقطين عالم لا يشبه ما حوله: فرسان ومعارك وأسفار، ونساء يصف الرواة جمالهنّ بلغة مسجوعة، وحكايات تمتدّ أشهراً، يتوقّف صاحبها كل يوم ليعود في اليوم التالي إلى حيث ترك مستمعيه. لكنّ الوقت المتاح للطفل لم يكن يكفي لملاحقة تلك العوالم. بالقرب من الحلقات، كان باعة يفترشون الأرض بالكتب، وبينها مجلّدات السير الشعبية. بدأ يشتري الجزء، يقرأه ثم يعيده إلى البائع. هكذا، قادته الرغبة في معرفة بقيّة الحكاية من صوت الراوي إلى صفحات الكتاب، قبل أن تصبح الحكاية نفسها، بعد سنوات، موضوعاً لمشروعه النقدي. في جلسة استعاد فيها تجربته ضمن فعاليات معرض الشارقة الدولي للكتاب، بدا الباحث المغربي سعيد يقطين، الذي اختير شخصية العام الثقافية للدورة الخامسة والأربعين، منشغلاً بما صنع القارئ فيه. وراء المؤلفات والجوائز والمسار الجامعي، استعاد طفلاً يجلس على الأرض، مأخوذاً بقدرة رجل يتوسّط حلقة من الناس على فتح أبواب عالم آخر. وُلد سعيد يقطين في الدار البيضاء عام 1955، ونشأ في حيّ شعبي تشكّل، مثل أحياء أخرى في أطراف المدينة، من هجرات عائلات مغربية حملت معها عاداتها ولهجاتها وفنونها. كانت السوق فضاءً مفتوحاً على مشاهد الحياة وتناقضاتها. فيها البيع والمساومة، والمغنّون والراقصون وألوان من الفنون الشعبية الآتية من مناطق مختلفة. وبعيداً قليلاً عن الصخب، تنعقد حلقات رواة السير، ويجلس المستمعون حول حكايات حمزة البهلوان وعنترة بن شدّاد. خلف الحيّ، كانت مقبرة الشهداء. وبين السوق والمقبرة، والكتّاب والمسجد الذي يصحبه إليه والده، تكوّنت خبرته الأولى بالعالم. يصفها بوصفها حياة بين "الدين والدنيا"، يجاور فيها الانفتاح على الشارع تعلّمُ القراءة والتربية الدينية. الباحث المغربي يتسلم جائزة شخصية العام من حاكم الشارقة والشيخة بدور القاسمي ومن هذه الطفولة استعاد سؤالاً تبادله مع أصدقاء مغاربة في فرنسا: ماذا كان سيصبح لو لم يتابع دراسته؟ تخيّل احتمالين من البيئة التي عرفها: عازفاً في السوق، أو فقيهاً يقرأ على القبور. تحضر الإجابة بخفّة، لكنها تكشف مقدار ما تتيحه البيئة للطفل من صور ممكنة لمستقبله، قبل أن يفتح التعليم طريقاً آخر. مع انتقاله إلى فاس عام 1970، اتّسعت علاقته بالقراءة. وجد نفسه في مدينة مختلفة بإيقاعها ولغتها ومكتباتها، وصارت أيامه موزّعة بين المدرسة والكتب. الباحث المغربي سعيد يقطين والشاعرة شيخة المطيري هناك، تغيّرت أيضاً علاقته بالسير الشعبية. لم يعد يريد قراءة أجزائها وإعادتها؛ أراد الاحتفاظ بها في مكتبته. ما بدأ فضولاً لمعرفة نهاية الحكاية أصبح صلة دائمة بعالمها. كان يتطلّع إلى دراسة الأدب والاقتصاد معاً، لكن شروط التسجيل الجامعي آنذاك قادته إلى اختيار العربية وآدابها. ومن التدريس إلى البحث الجامعي، أخذت تتبلور مسيرة انشغلت بالرواية الحديثة، ثم بالتراث السردي، وصولاً إلى النصوص الرقمية والتفاعلية. سعيد يقطين شخصية العام الثقافية لمعرض الشارقة للكتاب 2026 يمكن قراءة أثر تلك البدايات في أعمال مثل "تحليل الخطاب الروائي" و"الكلام والخبر" و"قال الراوي": أسئلة عن بناء الحكاية، ومن يرويها، وكيف يصل عالمها إلى المتلقّي. غير أنّ استعادته لطفولته تمنح هذا الاشتغال المعرفي وجهاً شخصياً؛ فالباحث في السرد كان، قبل ذلك، مستمعاً يريد للحكّاء أن يواصل. الثقافة الشعبية تستعيد مكانها يرفض يقطين اختزال الثقافة الشعبية في الهامش. لها منتجوها ومتلقّوها ووسائطها، وقد تناقل الناس من خلالها الأمثال والألغاز والحكايات والمعارف المرتبطة بالحرف والطعام والعلاقات اليومية. المشكلة، في قراءته، أنّها لم تحظَ بما تستحقّه من اهتمام. ولذلك، يتجاوز دفاعه عنها حفظ الموروث إلى التفكير في شروط الإبداع. يستعيد اكتشافه اشتغال إيتالو كالفينو على جمع الحكايات الشعبية الإيطالية، معرفة أضاءت له جانباً من تميّز الكاتب وعلاقته بمخزون ثقافته. ومن هنا يشدّد على الصلة بالمحلّي باعتبارها طريقاً إلى عمل يمتلك خصوصيته ويستطيع مخاطبة العالم. لا يدعو إلى الانغلاق عن الآداب الأجنبية، بل إلى التفاعل معها انطلاقاً من أسئلة الكاتب وخبرته، وإلى إنتاج أدب يستحقّ اهتمام قرّائه في بيئته أيضاً. حين يتحدّث يقطين عن تحوّل المدن، يعود إلى الأماكن التي أتاحت له التعلّم خارج المدرسة. يسأل عن الساحات التي كانت تجمع اللعب والفرجة والحكي، ثم تحوّلت إلى مبانٍ أو مواقف للسيارات، وعن المراكز التجارية التي باتت تستقطب جانباً متزايداً من الحياة العامة. في هذا الحديث، يتّصل العمران بالثقافة: اختفاء الساحة يغيّر فرص اللقاء، ويقلّص ما يستطيع الطفل أن يراه ويسمعه ويكتشفه بنفسه.ويقترح استعادة بعض الأنشطة ال