بينما يواصل الجيش الإسرائيلي انتشاره العسكري داخل الأراضي السورية، وتتمسّك دمشق بمطلب انسحابه، تكشف تقارير أجنبية عن اتصالات أمنية غير اعتيادية بين الطرفين، تجري بوساطة أميركية، وسط تقاطع في المصالح المتعلقة بمواجهة حزب الله والحدّ من النفوذ الإيراني، إلى جانب القلق الإسرائيلي من التوسع العسكري التركي في سوريا. ورغم استمرار الخلافات العميقة بين الجانبين، تبرز تساؤلات بشأن ما إذا كانت هذه الاتصالات قد تجاوزت مرحلة التنسيق السياسي والأمني إلى تبادل معلومات استخباراتية فعلية بعيدًا عن الأضواء. وبحسب تقرير للصحافي شاي ليفي، نشره موقع "ماكو" الإسرائيلي، اليوم الجمعة، فإن إسرائيل وسوريا، رغم استمرار التوتر العسكري والسياسي بينهما، تشهدان منذ نحو عام تطورًا في قناة اتصال أمنية استثنائية، وفق ما أوردته تقارير أجنبية، في محاولة للتعامل مع تهديدات يعتبرها الطرفان مشتركة، وإن اختلفت دوافع كل منهما وأهدافه. ويأتي هذا التطور في وقت يواصل فيه الجيش الإسرائيلي الاحتفاظ بقوات ومواقع عسكرية داخل الأراضي السورية، وينفّذ بين الحين والآخر غارات على أهداف وراء الحدود، فيما تطالب الحكومة السورية بانسحاب هذه القوات من المناطق التي دخلتها بعد سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد. ورغم أن الدولتين لا تزالان بعيدتين عن التوصل إلى اتفاق يعيد الاستقرار إلى المنطقة ويسمح بانسحاب القوات الإسرائيلية، فإن الاتصالات التي تتحدث عنها التقارير الأجنبية تشير إلى محاولة إنشاء إطار أمني يتيح التعامل مع ملفات محددة بعيدًا عن الخلافات السياسية والعسكرية القائمة. ولا يتعلّق الأمر، وفق التقرير، باتفاق سلام أو بتحالف عسكري بين إسرائيل وسوريا، بل بمحاولة بناء منظومة مصالح متقاطعة في مواجهة مجموعة من التهديدات الأمنية. وفي مقدمة هذه الملفات، تبرز مواجهة الخلايا المرتبطة بحزب الله داخل سوريا، والمصلحة المشتركة في إبعاد إيران عن الأراضي السورية، فضلًا عن المخاوف الإسرائيلية من ترسيخ وجود عسكري تركي قد يؤثر في التوازنات الأمنية في المنطقة. وتتداخل هذه الحسابات أيضًا مع المصالح الأردنية، إذ تنفّذ عمّان ضربات جوية تستهدف محاولات تمركز تنظيم "داعش" ومجموعات إجرامية، في إطار تعاملها مع التهديدات القادمة من الأراضي السورية. لكن السؤال الذي يطرحه التقرير يتمحور حول طبيعة التنسيق الذي ترعاه الولايات المتحدة، وما إذا كان قد وصل بالفعل إلى مستوى التعاون الاستخباراتي بين إسرائيل والسلطات السورية. ويشير التقرير إلى أن أحد أبرز المؤشرات على التحوّل في العلاقة الأمنية بين الجانبين يتمثل في الآلية التي جرى الاتفاق على إنشائها خلال المحادثات السورية الإسرائيلية بوساطة أميركية. ففي 6 كانون الثاني 2026، وبعد اجتماع عُقد في باريس، صدر إعلان مشترك بشأن إنشاء آلية اتصال بين إسرائيل وسوريا تحت إشراف الولايات المتحدة. وتهدف هذه الآلية، وفق الإعلان، إلى إتاحة تبادل المعلومات الاستخباراتية، والتنسيق العسكري، ومنع الاحتكاكات الميدانية، ومعالجة الخلافات الأمنية بين الطرفين. وكان الهدف من هذا التفاهم إنشاء قناة اتصال مباشرة تسمح بنقل الرسائل والمعلومات حتى خلال فترات التوتر، بما يحدّ من احتمالات الانزلاق إلى تصعيد غير مرغوب فيه. إلا أن التقرير يعتبر أن أهمية هذا التطور لا تقتصر على وجود آلية تنسيق بحد ذاتها، بل تتعلق بالمصالح الأمنية التي يمكن أن تجعلها قابلة للتطبيق على الأرض. وفي هذا السياق، يبرز ملف حزب الله بوصفه أحد أبرز المجالات التي قد تتقاطع فيها المصالح السورية والإسرائيلية. فقد شكّلت سوريا، على مدى سنوات، ممرًا أساسيًا لنقل الأسلحة من إيران إلى لبنان، كما كانت ساحة لتنظيم نشاط عناصر حزب الله ومركزًا لتحركات قادة ومقاتلين شاركوا في دعم نظام الأسد. لكن سقوط النظام السابق غيّر طبيعة المعادلة، إذ باتت السلطات الجديدة في دمشق تسعى إلى ترسيخ سيطرتها على الأراضي السورية، ومنع الجماعات المسلحة الأجنبية من العمل بصورة مستقلة داخل البلاد. ويظهر هذا التوجّه، وفق التقرير، في العمليات التي تعلن الأجهزة الأمنية السورية تنفيذها ضد مجموعات تتهمها بالارتباط بحزب الله. وخلال الأيام الأخيرة، أعلنت السلطات السورية إحباط مخطط لخلية قالت إنها مرتبطة بالحزب، وكانت تستعد لاستهداف مصفاة النفط في حمص. وأفادت السلطات بتوقيف المشتبه فيهم وضبط مواد متفجرة، في حين نفى حزب الله الاتهامات الموجّهة إليه. ويرى التقرير أن مجرد تصنيف السلطات السورية الجديدة حزب الله بوصفه مصدر تهديد أمني داخلي، وإعلانها تنفيذ عمليات ضد بنى مرتبطة به، يعكسان تحوّلًا في موازين القوى والعلاقات داخل سوريا. أما بالنسبة إلى إسرائيل، فيكتسب هذا التطور أهمية استراتيجية، بالنظر إلى أن أحد أهدافها الأساسية خلال السنوات الماضية تمثّل في