لم تعد المواجهة بين النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان، القاضي سامي صادر، وشبكات المخدرات والفساد محصورة داخل الأراضي اللبنانية. فقد وصلت تهديدات جديدة إلى هاتفه الشخصي خلال وجوده خارج البلاد، في تطور يكشف حجم الضغوط التي يتعرض لها على خلفية الملفات التي فتحها منذ توليه مسؤولياته القضائية. وفي التفاصيل، أفادت معلومات بأن صادر تلقّى اتصالات ورسائل تهديد من أرقام متعددة مصدرها بلجيكا وهولندا والأرجنتين. وتضمنت الرسائل إشارات إلى معرفة أصحابها بوجوده في العاصمة الفرنسية باريس، في محاولة لإيصال رسالة مفادها أن تحركاته خارج لبنان باتت موضع متابعة. وتكتسب هذه التهديدات دلالات خاصة، بالنظر إلى توقيتها ومضمونها، بعدما تمكنت الأجهزة الأمنية، بإشراف صادر وبناءً على إشاراته القضائية، من توجيه ضربات متلاحقة إلى شبكات الاتجار بالمخدرات، وصولاً إلى تفكيك ما توصف بأنها أكبر عصابة مخدرات في تاريخ القضاء اللبناني. وتأتي هذه التطورات فيما تتواصل العمليات الأمنية التي انطلقت منذ تسلّمه مهامه في النيابة العامة الاستئنافية في جبل لبنان. فمنذ البداية، فتح صادر ملفات شائكة على مسارين: ملاحقة شبكات الفساد والسمسرة الناشطة في محيط المؤسسات القضائية والرسمية، والتصدي لتجار المخدرات الذين وسّعوا نشاطهم إلى مناطق لبنانية متعددة. ولم تكن الملفات الأمنية المعقدة جديدة على صادر، الذي أمضى سنوات في منصب مفوض الحكومة المعاون لدى المحكمة العسكرية، حيث تعامل مع قضايا بالغة الحساسية شملت شبكات التجسس لمصلحة إسرائيل والتنظيمات الإرهابية، وتولى الادعاء في ملفات ارتبطت بأمن الدولة وسلامة المجتمع، قبل انتقاله إلى مسؤولياته الحالية. أما في قصور العدل، فاتجه إلى ملاحقة شبكات السمسرة والتدخل في الملفات القضائية، ولا سيما في قصر العدل في بعبدا ومحيطه. وأصدر إشاراته إلى شعبة المعلومات ومفرزة بعبدا القضائية، بإمرة العقيد محمد برجاوي، التي أدت دوراً أساسياً في عمليات أسفرت عن توقيف عدد من المشتبه بتورطهم في أعمال السمسرة. كما دخل جهاز أمن الدولة على خط ملاحقة المتورطين في التلاعب بالملفات القضائية. وأشرف صادر أيضاً على إجراءات دهم مستودعات ومراكز مرتبطة بشبهات تزوير الأدوية والاتجار بالمستحضرات المنتهية الصلاحية وتهريبها، قبل الادعاء على أفراد الشبكة وإحالة القضية إلى قاضي التحقيق الأول في جبل لبنان. لكن المواجهة الأوسع بقيت تلك المرتبطة بالمخدرات، بعدما تحولت إلى عملية أمنية وقضائية متواصلة تستهدف البنية التنظيمية لشبكات الترويج والاتجار، لا مجرد العناصر التي تتولى البيع والتوزيع. ومهّد صادر لهذه العمليات بعقد اجتماعات تنسيقية مع المسؤولين الأمنيين المعنيين، جرى خلالها تحديد آليات العمل وتبادل المعلومات ومراقبة تحركات المشتبه بهم، تمهيداً لتنفيذ مداهمات متزامنة وملاحقة المسؤولين عن إدارة الشبكات وتمويلها وتوزيع المواد المخدرة. وتشير المعلومات إلى أن الشهر الماضي وحده شهد توقيف 118 شخصاً من تجار المخدرات ومروّجيها، في عمليات ضبط بالجرم المشهود نُفذت بناءً على إشارات صادر القضائية. وأدت التحقيقات المتشعبة إلى كشف مجموعات منظمة تنشط في مناطق مختلفة وتفكيك عدد منها، وصولاً إلى توقيف العصابة التي توصف بأنها الأضخم في تاريخ القضاء اللبناني. ولم تتوقف العمليات عند هذه الحصيلة، إذ تواصل المفارز القضائية تعقّب نحو 120 تاجراً ومروّجاً لا يزالون متوارين عن الأنظار، بعدما كشفت التحقيقات هوياتهم أو ارتباطاتهم بالشبكات التي فُككت. وفي موازاة الإجراءات المشددة بحق التجار والمروجين، برزت مقاربة مختلفة تجاه الأشخاص الذين وقعوا ضحية الإدمان. فقد شملت التحقيقات نحو 560 متعاطياً أُخلي سبيلهم بعد استجوابهم، فيما تعهّد عدد من ذويهم بإدخالهم إلى مراكز متخصصة للعلاج، في مقاربة تميّز بين من يدير تجارة المخدرات ويجني أرباحها، ومن يحتاج إلى المعالجة والتأهيل. وبذلك، تجمع الحملة التي يقودها صادر بين ملاحقة الشبكات المنظمة ومحاولة معالجة التداعيات الاجتماعية والصحية للإدمان، فيما تتواصل التحقيقات لكشف بقية المتورطين وتعقّب المتوارين. وتطرح التهديدات التي وصلته من خارج لبنان تساؤلات عن الجهات التي تقف وراءها، ولا سيما أن مضمون الاتصالات تضمّن معلومات عن مكان وجوده في باريس، فيما جاءت الأرقام من دول متباعدة جغرافياً. ورغم ذلك، تؤكد المعلومات أن هذه الرسائل لم تؤدِّ إلى أي تعديل في مسار العمل القضائي أو الأمني، وأن التعليمات بمواصلة ملاحقة شبكات المخدرات والفساد لا تزال قائمة، فيما تستمر العمليات لاستكمال تفكيك الشبكات وتوقيف المطلوبين. ويبقى السؤال: هل تمثل هذه التهديدات العابرة للحدود محاولة للضغط على القاضي سامي صادر وثنيه عن متابعة الملفات التي فتحها، أم أنها تكشف حجم المصالح التي ت