منذ نحو شهر، لا يكاد يمر أسبوع في لبنان من دون تسريب جديد عن عقوبات أميركية وشيكة. مرة تستهدف سياسيين، ومرة قضاة وضباطاً ومسؤولين أمنيين، ومرة مؤسسات مالية وشركات صرافة. تتبدل الأسماء والقطاعات والتوقيتات، لكن النتيجة غالباً واحدة: حديث متكرر عن لوائح جاهزة وقرارات قريبة، من دون أن تقابله حتى الآن إعلانات رسمية تثبت صدور العقوبات المتداولة أخيراً. ففي 9 تشرين الأول، برز الحديث عن "عاصفة عقوبات" أميركية مرتبطة بتمويل حزب الله والمؤسسات المالية التي تتهمها واشنطن بتسهيل أنشطته. وبعدها، في 26 تشرين الأول، انتقلت التسريبات إلى احتمال استهداف سياسيين وقضاة ومسؤولين أمنيين وعسكريين بذريعة عرقلة حصر السلاح بيد الدولة. ولم تمضِ سوى أيام حتى عاد الملف إلى الواجهة في 28 تشرين الأول، مع معلومات عن عقوبات مرتقبة على شخصيات تتهمها مصادر دبلوماسية بعرقلة تنفيذ قرارات الحكومة. ثم جاء مطلع تشرين الثاني حاملاً رواية جديدة عن قوائم أميركية طويلة ومحدّثة، تشمل قضاة وضباطاً وسياسيين، على أن يبدأ الإعلان عنها بعد الانتخابات النصفية الأميركية. وهكذا، خلال أقل من شهر، انتقلت الرواية من عقوبات على شبكات مالية إلى مسؤولين في مؤسسات الدولة، ثم إلى قوائم واسعة قيل إنها تنتظر التوقيت السياسي المناسب. لكن السؤال الذي لم يجد جواباً واضحاً هو: أين القرارات الرسمية التي تؤكد هذه الموجات المتلاحقة من التهديدات؟ المفارقة أن مراجعة الإعلانات الرسمية الصادرة عن وزارة الخزانة الأميركية خلال الفترة نفسها لا تُظهر قرارات جديدة تستهدف الضباط أو القضاة اللبنانيين الذين تناولتهم التسريبات. وهذا لا يعني أن واشنطن تخلّت عن سياسة العقوبات، فهي سبق أن فرضت إجراءات فعلية على مسؤولين لبنانيين وشبكات مرتبطة بحزب الله، ولا سيما في أيار وحزيران وأيلول الماضي، لكنها عندما اتخذت تلك الإجراءات أعلنتها بصورة مباشرة وحددت الجهات المستهدفة وأسباب إدراجها. أما اللافت، فهو أن موجة التهديدات الأخيرة اصطدمت بمشهد دبلوماسي مختلف في 5 تشرين الثاني، حين أصدرت سفارات الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا وكندا واليابان بياناً مشتركاً أكدت فيه دعمها القوي للحكومة اللبنانية في مساعيها لحصر السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة. وفي قضية متفجرات ضهر البيدر تحديداً، أخذت السفارات علماً بالخطوات التي اتخذتها السلطات اللبنانية، ودعت إلى استكمال المسار القضائي بسرعة واستقلالية وبعيداً عن التدخلات السياسية، بما يضمن المحاسبة الكاملة. صحيح أن البيان لا يشكل تبرئة لأي مسؤول، ولا يلغي احتمال فرض عقوبات مستقبلاً، لكنه لا يتضمن أيضاً تهديداً مباشراً للأجهزة الأمنية والعسكرية، ولا إعلاناً عن إجراءات عقابية بحق ضباطها. وهنا تكمن المفارقة: كيف تتحول العقوبات إلى عنوان شبه دائم في المشهد اللبناني، فيما تتحدث السفارات المعنية رسمياً عن دعم مؤسسات الدولة وتشجيعها على استكمال الإجراءات المطلوبة؟ ليس المطلوب التشكيك بكل معلومة عن عقوبات محتملة، ولا تجاهل جدية الضغوط الأميركية، بل التمييز بين قرار صادر عن واشنطن، وتسريب منسوب إلى مصدر مجهول، وتقدير سياسي يجري تقديمه وكأنه حقيقة محسومة. والأخطر أن تكرار هذه الروايات قد يحوّل العقوبات إلى أداة ضغط قائمة بذاتها، بصرف النظر عما إذا كانت القرارات ستصدر فعلاً. فمجرد الحديث المستمر عن استهداف قضاة وضباط ومسؤولين كفيل بإثارة الشكوك حول مؤسسات الدولة، وخلق مناخ سياسي تتقدم فيه التهديدات على الوقائع. من هنا، يصبح السؤال مشروعاً: من يقف خلف هذا الضخ المتواصل؟ هل هي دوائر أميركية ترسل إنذارات غير معلنة، أم جهات لبنانية تضخّم تقديراتها وتستخدم اسم واشنطن في معاركها الداخلية؟ لا تتوافر أدلة تسمح باتهام جهة محددة، لكن حجم التكرار وتبدل الأهداف والتوقيتات يفرضان التعامل مع هذه التسريبات بحذر أكبر. فالولايات المتحدة لا تحتاج إلى تسريبات متلاحقة كي تفرض عقوباتها. وعندما تقرر ذلك، تملك المؤسسات والآليات القانونية اللازمة للإعلان عنها. أما إلى أن تصدر قرارات جديدة، فيبقى الفارق واضحاً بين عقوبات أميركية فعلية يمكن التحقق منها، وفزّاعة عقوبات تتجدد أخبارها كل أسبوع، وتتحول تدريجياً إلى جزء من الصراع السياسي اللبناني. فهل تصنع واشنطن هذه الفزّاعة، أم أن هناك من يستعير اسمها لتصفية الحسابات في بيروت؟