أثارت المشاركة الانتخابية الواسعة للفلسطينيين البدو في النقب جدلاً سياسياً وأمنياً في إسرائيل، بعدما وجّه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو اتهامات للأحزاب العربية بالتزوير، فيما استدعى جهاز الأمن العام "الشاباك" عدداً من الناشطين للتحقيق معهم بشأن أسباب الارتفاع غير المسبوق في نسب التصويت. على مدار الأعوام الـ78 الماضية، عانى الفلسطينيون البدو في صحراء النقب من سياسات الإهمال والتهميش والإقصاء، التي طالت مختلف جوانب حياتهم. ويبلغ عددهم نحو 317 ألفاً، وفقاً للبيانات الواردة في التقرير، ويتركزون في مدينة رهط وتل السبع ومحيط بئر السبع، بينما يعيش ما يقارب 90 ألفاً منهم في عشرات القرى والبلدات غير المعترف بها، مثل العراقيب والضحية، التي تفتقر إلى الكثير من الخدمات الأساسية وتواجه خطر الهدم والإخلاء المستمر، بسبب رفض السلطات الإسرائيلية الاعتراف بها وتصنيف البناء فيها بأنه "غير قانوني". وتعاني بلدات أخرى، بينها أم بطين المعترف بها رسمياً، نقصاً في الخدمات والبنى التحتية. وتُركت إدارة شؤونهم لما يُعرف بـ"هيئة تنظيم استيطان البدو في النقب"، التي تأسست بموجب قرار الحكومة الإسرائيلية الرقم 1999 عام 2007، بهدف تنظيم البلدات البدوية وتوفير بدائل سكنية وتطوير البنى التحتية والتجمعات السكنية رسمياً في المنطقة. كان ارتفاع نسبة التصويت في النقب أحد أبرز مشاهد انتخابات الكنيست الـ26. وكشفت تقارير إسرائيلية عن ارتفاع ملحوظ في المشاركة، إذ اقتربت النسبة العامة من 80%، وتجاوزت 81% في بعض التجمعات البدوية. وفي مناطق عربية أخرى، سجلت بلدة العريان في وادي عارة نسبة مشاركة بلغت 90.7%، وفقاً لمعطيات لجنة الانتخابات المركزية. وفي مشهد لافت، توجه العديد من البدو في النقب إلى مراكز الاقتراع، نساءً ورجالاً، مسنين وشباناً، مستخدمين وسائل نقل متعددة، بما فيها الجمال والحمير. وبات واضحاً أن فوز 19 نائباً عن الأحزاب العربية في الانتخابات الأخيرة شكّل مفاجأة سياسية لنتنياهو وشركائه في الائتلاف، وأدخل حسابات تشكيل الحكومة في مأزق. ويُذكر أن أربعة نواب من النقب فازوا عبر "القائمة المشتركة" و"القائمة العربية الموحدة". وفي 29 تشرين الأول/أكتوبر، أعلنت الشرطة الإسرائيلية اعتقال سبعة أشخاص، بينهم مديرو مدارس، على خلفية شبهات تتعلق بتقديم "رشى انتخابية"، إثر شكاوى تقدم بها حزبا "الليكود" و"قوة يهودية". ولاحقاً، أُفرج عن عدد من الموقوفين. وأكدت لجنة الانتخابات المركزية، بعد فحص الشكاوى والاعتراضات، سلامة عملية الاقتراع وعدم وجود خروقات جوهرية تؤثر على النتائج العامة. وخلال جولة لـ"النهار" في النقب، التقينا عدن، وهي طالبة ثانوية تبلغ من العمر 18 عاماً، أدلت بصوتها للمرة الأولى. وتوضح أن ما دفعها إلى الاقتراع هو ما تعانيه كفتاة بعد هدم منزلها وقريتها الضحية بالكامل قبل أسبوعين من الانتخابات، إذ فقدت أبسط مقومات الحياة، حتى السرير الذي تنام عليه والحمّام الذي تستخدمه والمياه التي تحتاج إليها. وتقول عدن إن "النساء البدويات يشعرن بالاضطهاد والظلم والخوف بسبب الجريمة والعنف المنتشرين، ومع هدم البيوت بشكل هستيري وجدن أنفسهن في العراء". وخلال العامين الأخيرين، هدمت السلطات الإسرائيلية نحو 5800 منزل في الداخل الفلسطيني، 80% منها في النقب. وتلفت عدن إلى أن "الجميع يتطلع إلى التغيير، وإلى إيقاف حكومة نتنياهو وسياساتها العنصرية والتمييزية التي تمارس بحقنا". غالباً ما يلجأ الخاسر في الانتخابات إلى اتهام خصومه بالتزوير، انطلاقاً من دوافع سياسية واستراتيجية متداخلة، من بينها الحفاظ على الشرعية السياسية وإقناع المؤيدين بأن الهزيمة جاءت نتيجة تلاعب في صناديق الاقتراع أو تدخل خارجي، وليس بسبب تراجع الشعبية أو فشل البرنامج السياسي. وقانونياً، قد تفتح اتهامات التزوير الباب أمام تقديم طعون قضائية والمطالبة بإعادة فرز الأصوات أو إلغاء نتائج بعض الدوائر. وفي البيئات السياسية شديدة الاستقطاب، يسهل انتشار الروايات التي تنسجم مع قناعات الناخبين ومواقفهم المسبقة. وفي الحالة الإسرائيلية، جاءت الاتهامات عقب ارتفاع غير مسبوق في مشاركة الناخبين العرب، فيما أكدت لجنة الانتخابات المركزية أن التحقيقات والشبهات المطروحة لا تمس سلامة النتائج النهائية. مشهد من الحياة اليومية في إحدى بلدات النقب، حيث سجّل الناخبون البدو مشاركة لافتة في انتخابات الكنيست الإسرائيلية. (النهار) من جهتها، ترى الناشطة الاجتماعية والسياسية المحامية هدى أبو عبيد أن سياسات وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، كانت عاملاً أساسياً في ارتفاع نسبة التصويت. وتوضح لـ"النهار" أن دخول بن غفير إلى القرى البدوية ليلاً وهدم البيوت دفع الناس إلى مراجعة حساباتهم والانتقال من المقاطعة إلى المشاركة في الانتخابات. وتشير إلى أن السنوا