حين أراد العرب وصف الشجاعة، استعاروا من الصقر قوته. وحين تحدّثوا عن العزّة والحرية، وجدوا في تحليقه صورة قريبة مما يتمنّونه لأنفسهم. دخل الصقر إلى الشعر والأمثال والحكايات، واستقرّ في الذاكرة العربية. لكنّ هذه المكانة لم تولد في القصائد. سبقتها حياة طويلة في الصحراء، حين كان الإنسان يراقب الطائر في السماء، ويتعلّم كيف يستعين به على الصيد. عرف العرب الصقر قبل أن يكتبوا عنه، وأدركوا من خلال التجربة أن التعامل معه يحتاج إلى صبرٍ ومهارة ومعرفة دقيقة بطباعه. وفي المثل الخليجي الشهير "اللي ما يعرف الصقر يشويه"، تختصر الذاكرة الشعبية شيئاً من هذه المكانة. فالصقر هنا مقياس لمعرفة القيمة، والجهل به يصبح مثالاً على التفريط بما هو نفيس. من رفيق الصيد في حياة البادية إلى رمز راسخ في الهوية الإماراتية والخليجية، قطع الصقر رحلة طويلة عبر التاريخ. حكاية طائر ارتبط بالحرية والشجاعة والصبر، وحرفة توارثتها الأجيال حتى أدرجتها الأونيسكو ضمن التراث الثقافي غير المادي للبشرية، فيما تطرح تحديات البيئة اليوم سؤالاً جديداً عن مسؤولية الإنسان تجاه هذا الإرث. صقّار يدرّب صقره على مطاردة الطُعم في الصحراء، في مشهد من تقاليد الصقارة المتوارثة في الخليج. (Gulfnews) علاقة الإنسان بالصقر: مسافة دقيقة بين الحرية والثقة في الصحراء، حيث تمتدّ الأرض على مرمى البصر ويصبح للصمت حضوره الخاص، يقف الصقّار رافعاً ذراعه، وعلى كفّه طائر اعتاد التحليق بعيداً. لحظة واحدة تفصل بين السكون والحركة. ينطلق الصقر، يشقّ الفضاء بجناحين ممدودين، ثم يغيب عن النظر قبل أن يعود إلى اليد التي أطلقته. مشهد تكرّر على مدى أجيال، ومع ذلك لا يفقد شيئاً من قدرته على الإدهاش. لعلّ أكثر ما يستوقفنا في هذه العلاقة أن الصقر، على خلاف كثير من الحيوانات التي ألفت الإنسان، احتفظ بطبيعته البرية واستقلاله. يستطيع أن يبتعد، أن يواصل طيرانه، ومع ذلك يتعلّم العودة. ومن هذه المسافة الدقيقة بين الحرية والثقة، نشأت واحدة من أقدم العلاقات التي جمعت الإنسان بالطبيعة. صقر بعدسة فؤاد عيتاني، في صورة تُبرز جمال هذا الطائر الجارح وقوّة حضوره في الطبيعة. عرف العرب الصقر قبل أن يصبح رمزاً تتناقله القصائد وتحتفي به المجتمعات. كان شريكاً في الصيد، ووسيلة للتكيّف مع بيئة شحيحة الموارد، ثم أصبح حضوره جزءاً من الحياة الاجتماعية والذاكرة الجماعية. وفي منطقة الخليج، وخصوصاً الإمارات العربية المتحدة، حافظت الصقارة على مكانتها حتى بعدما تغيّرت الحياة التي نشأت في كنفها. لم تكن الصقارة في بداياتها ترفاً أو هواية. ففي البيئات الصحراوية، حيث فرضت الطبيعة شروطها على الإنسان، كان الصقر يعينه على اقتناص طرائد يصعب الوصول إليها بوسائل أخرى، ومنها الحبارى والأرانب.وتطلّبت هذه الممارسة معرفة دقيقة بسلوك الطيور ومواسم هجرتها، وباتجاهات الرياح وطبيعة الأرض. كان الصقّار يتعلّم مراقبة السماء بقدر ما يتعلّم مراقبة صقره، ويكتسب خبرته عبر الممارسة الطويلة.ومع مرور الزمن، أصبحت الصقارة جزءاً من تقاليد المجالس ورحلات المقناص، يتناقل الآباء أسرارها إلى الأبناء. وحين تبدّلت أنماط العيش، بقيت المهارة حاضرة، محمولة على الذاكرة والعادات والروابط الاجتماعية. يرى فؤاد عيتاني، المؤسس والرئيس لجمعية حماية الطيور في لبنان، أن استمرار الصقارة يرتبط بمعانٍ تتجاوز وظيفتها الأولى.ويقول في حديثه إلى "النهار": "كان من الممكن أن تندثر الصقارة، لكنها لم تندثر، والسبب أنها لم تكن يوماً مجرد وسيلة للعيش، بل مثال في الصبر والانضباط ومعرفة الطبيعة، تنتقل من الآباء إلى الأبناء في المجالس ورحلات المقناص. لهذا بقيت حيّة، فهي تحمل ذاكرة المكان والناس". العوسق الشائع (Common Kestrel)، أحد أنواع الصقور الصغيرة، بعدسة فؤاد عيتاني. الإمارات... حين يصبح التراث جزءاً من الهوية في الإمارات العربية المتحدة، يحتلّ الصقر موقعاً خاصاً في الذاكرة الوطنية. وتحضر الصقارة في المناسبات التراثية والفعاليات الثقافية، وفي الممارسات التي تحافظ عليها العائلات والجهات المعنية بصون التراث الشعبي.ارتبطت هذه المكانة بتاريخ أهل المنطقة وعلاقتهم بالصحراء. فالصقر يستحضر حياة الأجداد، بما حملته من مهارات الصيد ومعرفة الأرض والقدرة على التكيّف مع بيئتها.وقد أولى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الصقارة اهتماماً خاصاً، وأسهم في ترسيخ حضورها ضمن جهود الحفاظ على التراث الإماراتي، إلى جانب مبادرات حماية الصقور والحياة البرية.من مظاهر هذا الاهتمام تطوّر المؤسسات المتخصّصة برعاية الصقور، وفي مقدّمها مستشفى أبوظبي للصقور، الذي تأسّس عام 1999، وأصبح مركزاً للعناية البيطرية والبحث والحفاظ على هذه الطيور.تبرز في التجربة الإماراتية محاولة الجمع بين استمرار الممارسة التراثية والاستفادة من العلوم ا