تُعتبر الانتخابات النصفية الأميركية محطة مفصلية في تحديد هامش حركة الإدارة الأميركية ورئيسها داخلياً وخارجياً، وغالباً ما يترقّب لبنان - كغيره من دول المنطقة - هذه النتائج لمعرفة ما إذا كانت ستنعكس على طبيعة الضغوط أو المساعي الدبلوماسية. لذلك يُطرح السؤال حول انعكاسات هذه الانتخابات وإمكانية تغيّر السياسة الأميركية المعتمدة حالياً تجاه لبنان؟ يعتبر الخبراء في السياسة الأميركية، ان جوهر السياسة الأميركية حيال لبنان مبني على استمرار الثوابت الاستراتيجية.. والجوهر الأساسي للسياسة الأميركية تجاه لبنان لا يتغيّر عادة بتغيّر نتائج الانتخابات النصفية؛ فالخطوط العريضة المتعلقة بدعم استقرار المؤسسات (وعلى رأسها الجيش اللبناني)، والضغط باتجاه حصر السلاح بيد الدولة، والحد من نفوذ «حزب الله»، محل توافق استراتيجي بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الكونغرس طالما انه يلبي مصالح إسرائيل ويبقى رسم السياسة الخارجية وإدارة المفاوضات والوساطات الدبلوماسية، لا سيما المرتبطة بالملف اللبناني - الإسرائيلي والترتيبات الأمنية في الجنوب، من صلاحيات السلطة التنفيذية، أي رئيس الدولة دونالد ترامب وفريقه الدبلوماسي، بغض النظر عن توازن القوى في الكونغرس، وما يمكن ان يفعله ترامب داخلياً. أما كيف يمكن أن تؤثر النتائج على الإدارة الأميركية ودورها لجهة تقييد حركة الإدارة أو توسيعها، فإن توازن القوى الجديد في الكونغرس (مجلسي النواب والشيوخ) يفرض نفسه على مستوى التشريعات والتمويل والمساعدات الخارجية. فخسارة الحزب الحاكم لبعض المقاعد أو الأغلبية قد تقيد حركة الإدارة داخلياً، وقد تدفع الإدارة أحياناً للبحث عن إنجازات خارجية سريعة أو تسويات إقليمية لتعويض التعثّر الداخلي، أو على العكس، قد تزيد من التشدّد بحسب حجم الضغوط الحزبية. لكن في الانعكاسات المباشرة على الأزمة اللبنانية والمسار التفاوضي، سيستمر الضغط نحو التسويات الأمنية، و ستتابع الإدارة الأميركية، عبر مبعوثيها ودبلوماسيتها، مسار المفاوضات والترتيبات الأمنية المتعلقة بتنفيذ القرارات الدولية (مثل القرار 1701) والوصول إلى استقرار حدودي. ولكن سترتبط الحركة الدبلوماسية الأميركية في لبنان بالحسابات الإقليمية الأوسع (كالملف الإيراني والوضع في غزة والمنطقة) أكثر من ارتباطها المباشر بنتائج التجديد النصفي وحدها. ويُحذّر المراقبون دائماً من المبالغة في الرهان اللبناني على النتائج الداخلية الأميركية؛ فالانتخابات النصفية لا تنتج تلقائياً «تسوية جاهزة» لصالح لبنان، والضغط السياسي والأمني والاقتصادي المستمر على بيروت مرشح للاستمرار طالما أن الملفات الإقليمية الكبرى لم تصل إلى خواتيمها الحاسمة. لذلك وباختصار، لن تحدث انعطافة جذرية أو مفاجئة في السياسة الأميركية تجاه لبنان لمجرد مرور الانتخابات النصفية، لكن المناخ السياسي العام في واشنطن قد يفرض إيقاعاً أبطأ أو أسرع أمام الإدارة الأميركية للتعامل مع ملفات التسوية والضغط في المنطقة. وفي كل حال هذا الأمر لا يتقرر سريعا وقد يستغرق أسابيع إن لم يكن أشهراً. ولكن بعد قرار الرئيس ترامب وقف الدعم العسكري السنوي التقليدي من بداية شهر كانون الثاني المقبل، والساري المفعول من عهد الرئيس الأسبق أوباما، فإن أي تغييرا جذريا في حجم أو طبيعة الدعم العسكري الأميركي لإسرائيل سينعكس بشكل مباشر على الوضع الميداني والسياسي في لبنان، وحسب الخبراء المتابعين يمكن تلخيص هذه الانعكاسات في عدة جوانب رئيسية: تخفيف حدّة العمليات العسكرية الإسرائيلية: يشير الخبراء الاستراتيجيون إلى أن توقف أو تقليص الدعم العسكري الأميركي الضخم لإسرائيل من شأنه أن يبطئ أو يحدّ تدريجياً من قدرة الجيش الإسرائيلي على إدامة العمليات الهجومية الواسعة والمتعددة الجبهات على المدى الطويل، نظراً لاعتماد ترسانتها العسكرية بشكل كبير على الإمدادات وقطع الغيار الأميركية. هذا التراجع قد يخفف الضغط الميداني والدمار في لبنان. تراجع الضغوط الميدانية على اتفاقيات التهدئة: إن تقييد القدرات العسكرية الإسرائيلية نتيجة نقص الدعم، قد يمنح مساحة أكبر لتثبيت أي ترتيبات أمنية أو اتفاقيات وقف إطلاق النار، ويقلل من احتمالات التصعيد الواسع أو خرق التفاهمات القائمة في الجنوب. إعادة رسم الحسابات السياسية والدبلوماسية: يتأثر المسار التفاوضي المتعلق بلبنان (مثل النقاشات حول الحدود والترتيبات الأمنية) بالغطاء الدبلوماسي والعسكري الذي توفره واشنطن لحليفتها. أي تراجع في هذا الدعم قد يدفع إسرائيل نحو مرونة أكبر في التعامل مع المساعي الدبلوماسية الإقليمية والدولية للوصول إلى تسويات مستدامة. التأثير على الدور والموقع اللبناني في المعادلات الإقليمية: غالباً ما ترتبط التحوّلات في الدعم العسكري الأميركي في المنطقة بإعادة تقييم واشنطن لأدوار أطراف النزا