انتشرت، في الآونة الأخيرة، مقاطع فيديو تظهر مجموعات من كلاب الشوارع تهاجم قططاً مشردة وتقتلها بوحشية، وأرفقت بالمقاطع تحذيرات من أن ازدياد أعداد الكلاب في مصر، لمستويات غير مسبوقة، خلال السنوات الأخيرة، سوف يتسبب في القضاء على القطط تماماً، ويحدث خللاً بيئياً. وما أثار ذعر كثيرين، أن ثمة تدوينات وتعليقات تحدثت عن أن أحد مظاهر الخلل البيئي الذي "حدث"، هو زحف ثعابين سامة، من أخطرها الكوبرا المصرية، لأماكن غير معهودة بقرى ومدن مصرية، ما أفضى لتصادمها مع البشر، ولدغ عشرات الاشخاص توفى بعضهم. ذلك الحديث تضمن مزاعم عن أن هذا الزحف "المثير للرعب"، جاء نتيجة لـ"تناقص" أعداد السنوريات الصغيرة، على اعتبار أنها كانت تتصدى للثعابين، وتمنعها من التسلل للمناطق التي يقطنها البشر، وتبقيها في موائلها الطبيعية وجحورها. تلك الرواية التي روجت من قبل عن الكلاب، بعدما تزايدت المطالبات بالتخلص منها، تبدو غير واقعية من وجهة نظر مهتمين بالبيئة، ومنهم مستكشف الحياة البرية محمد وجيه، الذي يقول لـ"النهار" إن "الكلاب والقطط ليست من الكائنات التي تتغذى على الثعابين". ويشير وجيه إلى أن "أهم الأعداء الطبيعيين للثعابين، خصوصاً الكوبرا المصرية، التي تنتشر في منطقة الدلتا، هو النمس المصري، الذي يتغذى على الثعابين، وللأسف فإن الفلاحين يقتلونه بمجرد رؤيته، رغم أننا نصحناهم بعدم قتله لأنه مهم للبيئة". حديث المستكشف عن أن القطط والكلاب ليست من الأعداء الطبيعيين أو من مفترسي الثعابين لا يعني قبوله قتلهم، إذا يؤكد "قتل أي حيوان موجود في بيئته الطبيعية، يحدث خللاً في التوازن البيئي، فكل منهم له دور حيوي يساهم في تحقيق التوازن". إشكالية الإحصائيات الموثوقة لا توجد أرقام موثوقة بأعداد القطط المشردة في شوارع مصر، ما يجعل النقاشات بشأن تناقصها جدلياً وغير محسوم، كما أن حجمها الصغير يعطيها قدرة على الاختباء بسهولة في أماكن محدودة، وغير متوقعة، مثل تجاويف السيارات وفراغات الحوائط والمباني، وهذا يجعل مجرد محاولة تكوين تصور مبدئي عن أعدادها الحقيقية، أمراً بالغ الصعوبة. أما بالنسبة لكلاب الشوارع، فأحجامها وغريزتها التي تدفعها لمطاردة المركبات والمارة وأصوات نباحها المرتفعة تكشف بقوة عن حضورها، ومن تلك الشواهد يتضح للعيان أن أعدادها تزايدت، في السنوات الأخيرة. ونشر بعض المتخصصين تقديرات لأعدادها تراوح ما بين 20 مليوناً و50 مليوناً، إلا أن التقديرات الرسمية تقول إنها ما بين 10 ملايين و11 مليوناً، وفقاً لتصريحات رسمية لرئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للخدمات البيطرية الدكتور حامد موسى الأقنص. في المقابل، تغيب أي إحصائيات دقيقة عن القطط. وتقول رئيسة الاتحاد النوعي لجمعيات الرفق بالحيوان في مصر الدكتورة منى خليل لـ"النهار": "لا توجد أرقام رسمية بأعدادها، لكن من المؤكد أنها تفوق أعداد الكلاب، وهذا نرصده من مشاهداتنا خلال حملاتنا في الشارع". ونفت خليل صحة الفرضية التي يروج لها ناشرو المقاطع المصورة، قائلة: "الادعاء بأن الكلاب ستقضي على القطط، كلام غير صحيح". قطط مشردة وكلب شارع يجلسون في سلام معاً في حي المعادي بالقاهرة (النهار) من جانبه، يقول الطبيب البيطري والناشط في مجال الرفق بالحيوان الدكتور محمد علي مصطفى لـ"النهار": "مهاجمة الكلاب للقطط سلوك فطري لدى الكلاب، إنها كائنات صيادة بطبيعتها، والوقائع التي أثارت جدلاً موجودة منذ زمن بعيد، لكننا لم نكن نراها بأعيننا، وعدم رؤيتنا لها لا يعني أنها غير موجودة". ويضيف مصطفى: "ما حدث، أخيراً، هو أن مواقع التواصل الاجتماعي أتاحت لنا فرصة أن نرى ما لم نكن نراه من قبل، لكن أيضاً هناك مشاهد على العكس تماماً، يتم تجاهلها ربما عمداً، ثمة كلاب وقطط تتعايش معاً في سلام". ويلفت الطبيب إلى أن "غريزة الافتراس موجودة لدى الكلاب والقطط، إلا أنها قد تبقى كامنة إذا توافر الطعام لها بسهولة، في حين أنها تنشط عندما يحدث خلل في موارد الغذاء أو البيئة المحيطة بتلك الكائنات، وهذا لن يؤدي بنهاية المطاف إلى قضاء الكلاب على القطط". الدكتور محمد علي مصطفى مع قط شارع بأحد مقاهي القاهرة (خاص) تتفق الناشطة في الرفق بالحيوان المهندسة منى حامد مع غالبية الآراء السابقة، وتعقب في حديثها لـ"النهار": "السؤال الذي يجب أن نطرحه، ليس هل تقضي الكلاب على القطط؟ بل كيف نقلل المواجهات بينهما؟". وتضيف: "ثمة أسباب تدفع الكلاب لمهاجمة القطط، منها الخوف، والصراع على موارد الطعام, ومناطق النفوذ، لذا يجب تنظيم إطعام تلك الحيوانات بمناطق مخصصة لكل منها، والتخلص من بقايا الأغذية بطريقة سليمة، حتى لا تكون الكلاب في مناطق وجود القطط". وترى الناشطة أن "الأهم من كل ذلك هو حملات التعقيم. إذا كنا نرغب في التحكم بأعداد الكلاب والقطط، يجب أن تحدث حملات التعقيم في مواعيد محددة،