من بلدة كرخا الجنوبية إلى الولايات المتحدة الأميركية، رحلة اختصرت سنوات من العمل والطموح والإصرار، حمل خلالها رجل الأعمال اللبناني –الأميركي شارل حنا جذوره اللبنانية إلى عالم الأعمال، ونجح في بناء مسيرة اقتصادية لافتة ارتبطت بشركة Cedar’s Mediterranean Foods، التي أسّسها والده الراحل القنصل إبراهيم حنا عام 1981. نجاح حنا لا يُقاس فقط بما حققته الشركة من انتشار في الأسواق الأميركية، بل أيضاً بما يحمله من التزام إنساني ووطني، وإيمان بأن الثروة تكتسب قيمتها الحقيقية عندما تتحول إلى فرص ومبادرات تساعد الآخرين. من وصية والده التي لا تزال ترافقه، إلى دعمه للطلاب والمرضى والجيش اللبناني، واهتمامه بتراث بلدته كرخا ومزار مار يوحنا المعمدان التاريخي، يقدّم شارل حنا نموذجاً للمغترب الذي لم تنجح المسافات في إبعاده عن وطنه. وقد حظيت تجربته باهتمام إعلامي دولي، بعدما نشرت منصة «Business Insider» مقالاً تناول يومياته كرئيس تنفيذي وفلسفته في العمل والقيادة، محققاً، وفق بيانات الانتشار المقدّمة، أكثر من 23 مليون ظهور، إضافة إلى انتشاره عبر منصات إعلامية أخرى. كما نال وسام الاستحقاق اللبناني الفضي من رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في 5 حزيران 2025، وميدالية جزيرة إليس لعام 2025 في الولايات المتحدة. وفي هذا الحوار مع «سفير الشمال»، يتحدث شارل حنا عن رحلته من كرخا إلى العالمية، وعن والده الذي ترك بصمة عميقة في حياته، وفلسفته في النجاح والعطاء، ورؤيته للبنان والاغتراب، ومشاريعه الإنمائية، مؤكداً أن خدمة الوطن لا تحتاج إلى منصب سياسي، بل إلى إرادة وعمل وأثر حقيقي. الحوار مع شارل حنا جاء على الشكل التالي: س: غادرت لبنان وأنت في الخامسة عشرة من عمرك. كيف بقيت كرخا حاضرة في حياتك بعد كل هذه السنوات في أميركا؟ ج: الإنسان يستطيع أن يغيّر مكان إقامته، لكنه لا يستطيع أن يتخلّى عن جذوره. كرخا جزء من شخصيتي وذاكرتي، ومنها بدأت حياتي، ولذلك بقيت حاضرة في داخلي مهما ابتعدت المسافات. أعتز بحياتي في أميركا وبكل ما حققته فيها، لكنني لم أنسَ يوماً من أين أتيت. وأحرص على أن يعرف أولادي وطنهم وبلدتهم وجذورهم، وأن يحافظوا على لغتهم الأم ولهجتهم اللبنانية. س: ما أبرز ما تركه والدك الراحل، القنصل إبراهيم حنا، في شخصيتك ومسيرتك؟ ج: والدي تاج رأسي، وأمي أيضاً تاج رأسي. لهما الفضل الكبير في تربيتي وتعليمي القيم التي رافقتني طوال حياتي. كان والدي يقول لي: “ما ضروري تشتغل عندي، اشتغل عند الناس حتى تعرف قيمة القرش”. هذه العبارة لم أنسها يوماً. علّمتني الاعتماد على النفس، وأن المال الذي يأتي نتيجة التعب والعمل له قيمة مختلفة. وقد بقيت هذه المبادئ أساساً في حياتي، سواء في العمل أو في علاقتي بالناس. Cedar’s… أرزة لبنان في الأسواق الأميركية س: عندما تحمل شركتكم اسم Cedar’s، هل تشعر بأنكم تحملون هوية لبنان إلى العالم؟ ج: الأرزة بالنسبة إليّ ليست مجرد شعار تجاري، بل هي لبنان وهويته وتاريخه. كان حلم والدي أن نعمل ونرفع اسم لبنان والأرزة في مختلف الولايات الأميركية. وعندما تحمل اسم Cedar’s، فأنت تحمل معك شيئاً من وطنك، وتقدّم للعالم صورة عن بلدك من خلال عملك ونجاحك. أشعر بالفخر عندما أرى هذا الاسم حاضراً في أميركا، وأؤمن بأن المغترب يستطيع أن يرفع اسم وطنه من خلال جودة عمله وصدقيته والتزامه. من البدايات المتواضعة إلى العالمية س: كيف بدأت رحلتك في Cedar’s Foods، وما أبرز المحطات التي ساهمت في تطوير الشركة؟ ج: عندما أسّس والدي الشركة عام 1981، لم يكن الحمص منتشراً كما هو اليوم في الأسواق الأميركية. كانت الفكرة جديدة، وكان عليه أن يعمل بجهد كبير لتعريف الناس بهذا المنتج. في تسعينيات القرن الماضي، طلب مني والدي مساعدته في إدارة العمل. شاركت في تفاصيل كثيرة، حتى في توصيل المنتجات وبيعها، وتعلمت أن النجاح يحتاج إلى معرفة العمل من أساسه. تولّيت ملكية الشركة في منتصف العقد الأول من الألفية، ومع توسعها أصبحت مسؤولياتي أكبر، وصولاً إلى منصب الرئيس التنفيذي في السنوات اللاحقة. وأهم ما تعلمته من والدي أن جودة المنتج يجب أن تبقى في مقدمة الأولويات مهما توسعت الأعمال. س: ماذا يعني لك أن تنشر «Business Insider» مقالاً عن تجربتك اليومية كرئيس تنفيذي، وأن يتجاوز انتشاره 23 مليون ظهور؟ ج: أشعر بالفخر عندما يتم تسليط الضوء على تجربتنا، وخصوصاً عندما يكون الحديث عن العمل والعائلة والقيم التي رافقتنا منذ البداية. أنا لا أفصل نجاح الشركة عن تاريخ عائلتي، لأن ما تحقق اليوم بدأ بحلم والدي وجهده وإصراره. ما يهمني أن يعرف الناس أن النجاح لا يأتي بين ليلة وضحاها، بل يحتاج إلى تعب وصبر وتطوير مستمر واحترام العاملين معك والعملاء الذين يثقون بمنتجك. وأفتخر بأن تصل تجربة عائلة لبنان