رغم الانقسام السياسي الحاد في إسرائيل، والتعقيدات التي أعقبت انتخابات الكنيست، لا تزال احتمالات تشكيل حكومة جديدة قائمة، حتى بين أطراف تتبادل الاتهامات وتفتقر إلى الثقة. وفيما يتمسّك بنيامين نتنياهو برئاسة أي حكومة مقبلة، ويستعد غادي آيزنكوت لتسلّم تكليف تشكيل الحكومة بعدما حصد تأييد 67 نائبًا، تكشف شهادات مسؤولين أداروا مفاوضات ائتلافية سابقة أن الطريق إلى السلطة قد يمرّ عبر تفاهمات غير معلنة، ومناصب تُبتكر خصيصًا لإرضاء السياسيين، وضمانات لا تملك بالضرورة أي قوة تنفيذية، وصولًا إلى تحالفات تبدو مستحيلة على الورق. وبحسب تحقيق للصحافي إيتام ألمدون، نشرته مجلة "القناة 12" الإسرائيلية، اليوم الخميس، أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو هذا الأسبوع استعداده لـ"مدّ اليد" من أجل تشكيل "حكومة وطنية واسعة"، لكنه تمسّك في الوقت نفسه بحلفائه التقليديين، مشترطًا أن يتولى شخصيًا قيادة أي حكومة تُشكّل. ويعني هذا الموقف رفض التناوب على رئاسة الحكومة مع غادي آيزنكوت، الذي حصل على توصية 67 عضوًا في الكنيست، فضلًا عن رفض أن يتولى أي شخص آخر رئاسة الحكومة قبله. ولا يبدو تمسّك نتنياهو بالمنصب مفاجئًا، وفق التقرير، خصوصًا أنه سبق أن حال دون إقرار الموازنة، ما أدّى إلى جرّ إسرائيل نحو انتخابات رابعة، بدلًا من تسليم رئاسة الحكومة إلى بيني غانتس بموجب اتفاق التناوب الذي جمعهما. لكن العودة إلى ربيع عام 2021 تكشف أن نتنياهو كان مستعدًا لتقديم تنازلات تتعلق برئاسة الحكومة عندما أصبح احتمال خسارته السلطة جديًا. ففي محاولة لاستمالة غدعون ساعر إلى حكومة تجمع اليمين والأحزاب الحريدية، طُرح آنذاك أن يتولى نفتالي بينيت رئاسة الحكومة أولًا لمدة سنة، قبل انتقال المنصب إلى نتنياهو. ويروي الدكتور غيل برينغر، الذي شارك في فريق التفاوض التابع لحزب "يمينا" وتولى الجوانب القانونية للاتفاق الائتلافي، أن هذا الاقتراح لم يصدر عن بينيت، بل عن حزب "الليكود" نفسه. وقال برينغر في حديث إلى مجلة "N12": "الليكود هو الذي أراد أن يكون بينيت رئيس الوزراء الأول". وأوضح أن الهدف من الاقتراح كان محاولة تفكيك اعتراضات ساعر على الانضمام إلى حكومة يقودها نتنياهو. فقد تعهّد ساعر بعدم الجلوس في حكومة برئاسة نتنياهو، ولذلك تمثّلت الخطة في إدخاله إلى حكومة يقودها بينيت خلال السنة الأولى، على أن يعود نتنياهو بعد ذلك إلى رئاسة الحكومة، بعدما يكون ساعر قد أصبح جزءًا من الائتلاف ويصعب عليه الانسحاب منه. وللتذكير، كان نتنياهو قد حصل بعد انتخابات عام 2021 على التكليف الأول لتشكيل الحكومة، بعدما أوصى به 52 نائبًا، مقابل 45 توصية ليائير لابيد و7 توصيات لبينيت. وحاول آنذاك تشكيل حكومة بمشاركة بينيت، مع الحصول على دعم حزب "راعم" أو امتناعه عن التصويت على الأقل. لكن المفاوضات شهدت مفارقة لافتة، بعدما طالب ممثلو "يمينا" بحقائب وزارية ومناصب إضافية، ما دفع وفد "الليكود" إلى الاعتراض على حجم المطالب، بحجة أن بينيت سيحصل أصلًا على رئاسة الحكومة. وردّ ممثلو بينيت بعرض التخلّي عن أسبقية رئاسة الحكومة في اتفاق التناوب، إلا أن وفد "الليكود" أصرّ على أن يبدأ بينيت أولًا. وقال برينغر مستعيدًا ما جرى: "قلنا لهم: حسنًا، إذًا هذا مطلب الليكود بأن يكون بينيت رئيس الوزراء الأول في التناوب. وفي مقابل هذا المطلب من جانبكم، لدينا نحن أيضًا قائمة مطالب". ويشغل برينغر حاليًا منصب مدير مركز "أومان-فيشر" للقانون والاقتصاد والسياسات العامة في الجامعة العبرية. وكان قد انضم إلى فريق التفاوض التابع لبينيت في فترة عيد الفصح اليهودي عام 2021، بعدما ترك عمله مع أييليت شاكيد في وزارة العدل وانتقل إلى ممارسة المحاماة في القطاع الخاص. ويتذكر أن اتصالًا تلقّاه من بينيت أثناء زيارته منزل والديه في رعنانا دفعه إلى التوجه مباشرة إلى منزل رئيس "يمينا"، حيث انضم إلى شالوم شلومو وتال غان تسفي ضمن الفريق المفاوض. وجرت المفاوضات آنذاك على مسارين متوازيين وبصورة علنية، إذ كان الفريق يجتمع صباحًا مع "الليكود"، ومساءً مع حزب "يش عتيد"، وأحيانًا بالعكس. وقال برينغر: "أحيانًا كنّا نقول لهم: حسنًا، علينا إنهاء الاجتماع لأننا سننتقل الآن إلى الحزب الآخر". وأضاف أن الجميع كانوا يدركون أن المفاوضات تُجرى بالتوازي مع الطرفين المحتملين لتشكيل الحكومة. ورغم ذلك، كان برينغر مقتنعًا بأن الاتفاق النهائي سيُوقّع مع "الليكود"، وأن التفاوض مع لابيد لم يكن سوى وسيلة لتحسين شروط الصفقة مع نتنياهو. وأوضح: "تحاول خلق تهديد فعّال. عليك أن تواصل تحريك الأمور مع يش عتيد، لكنك في الواقع تريد إتمام الائتلاف مع الليكود". غير أن المشكلة الأساسية بقيت مرتبطة بالأرقام البرلمانية، إذ كان الائتلاف المحتمل يملك 59 نائبًا فقط، ويحتاج إلى صوتين إضافيين ل