قبل أن تكشف صناديق الاقتراع حجم الهزيمة التي مُني بها الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي الأميركية، كانت أجواء التشاؤم قد سيطرت على الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس دونالد ترامب، إلى حدّ أن كبار مستشاريه بدأوا يتبادلون النكات السوداء بشأن الموت والفرار من الولايات المتحدة، وصولًا إلى اقتراح ساخر بطلب اللجوء السياسي لدى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. لكن خلف تلك الأحاديث، كانت تتراكم أزمة سياسية وانتخابية عميقة، كشفت تفاصيلها تحقيقات صحافية تناولت تداعيات الحرب مع إيران، وارتفاع الأسعار، والاتهامات بالفساد، والخيارات الانتخابية التي ساهمت في خسارة الجمهوريين. وبحسب تقرير للصحافي إيلي ليئون، نشرته صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، اليوم الخميس، نقلًا عن تحقيق موسّع أجرته صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية، عقد أكثر من 24 من كبار الاستراتيجيين العاملين مع الرئيس دونالد ترامب اجتماعًا مغلقًا عبر تقنية الفيديو، قبل 6 أيام من انتخابات التجديد النصفي. ولم يكن الاجتماع اعتياديًا، إذ سادت أجواء قاتمة بين المشاركين، وبدأ النقاش بتعليقات سوداوية عن السيانيد وحبوب الموت، في مؤشر إلى أن المسؤولين عن الحملة كانوا يدركون حجم الهزيمة التي تقترب. وخلال الاجتماع، سأل توني فابريتسيو، كبير خبراء استطلاعات الرأي لدى الرئيس الأميركي، الحاضرين ساخرًا: "هل تريدون الحبة البيضاء أولًا أم السوداء؟". أما جيمس بلير، الذي غادر البيت الأبيض للإشراف على الاستراتيجية الانتخابية، فاقترح على المشاركين إعداد وصاياهم، قبل أن يتحوّل اجتماع الفيديو سريعًا إلى تبادل النكات السوداء بشأن ترتيبات الجنازات والهرب من البلاد. وفي إحدى أكثر اللحظات لفتًا للانتباه، قال بلير ساخرًا، في إشارة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو: "على الأقل، بيبي فاز. سوف يحمينا". وجاءت هذه العبارة رغم أن المعسكر الذي يقوده نتنياهو كان قد أخفق في وقت سابق في الحصول على الأغلبية المطلوبة. وردّ فابريتسيو على تعليق بلير بالقول: "ربما نستطيع الحصول على لجوء سياسي في إسرائيل". وبعد نحو أسبوع، ظهرت النتائج التي كان كبار الاستراتيجيين الجمهوريين يخشونها، إذ تمكّن الديمقراطيون، وفق التقرير، من السيطرة على مجلس الشيوخ وتحقيق أغلبية كبيرة في مجلس النواب، مدفوعين بانتصارات انتخابية في ولايات تُعدّ معاقل تقليدية للجمهوريين، أبرزها كانساس وتكساس وكارولاينا الجنوبية. وبحسب تقديرات أوردتها "نيويورك تايمز"، كان الحزب الجمهوري يتجه إلى خسارة التصويت الوطني لانتخابات الكونغرس بفارق يقارب 13%، في هزيمة وصفتها الصحيفة بأنها الأقسى للحزب منذ فضيحة "ووترغيت" في سبعينيات القرن الماضي. وأثار حجم الخسارة تساؤلات بشأن كيفية وصول الحزب الجمهوري إلى هذا المستوى من التراجع، رغم امتلاكه صندوقًا انتخابيًا يناهز 400 مليون دولار، إلى جانب وجود محكمة عليا ذات غالبية محافظة يُنظر إليها على أنها أقرب إلى توجهاته. ووفق قراءة التقرير، تكمن الإجابة إلى حدّ بعيد في تراجع الثقة الشعبية بالرئيس ترامب، فضلًا عن التداعيات السياسية والاقتصادية للحرب مع إيران، التي تحوّلت إلى أحد أبرز العوامل المؤثرة في المزاج الانتخابي الأميركي. فالحرب، التي وصفها التقرير بأنها غير شعبية، أدّت إلى إغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار الوقود إلى أكثر من دولار واحد لليتر، أي ما يتجاوز 4 دولارات للغالون في الولايات المتحدة. وبذلك، وجد ترامب، الذي سبق أن تعهّد خلال حملاته السياسية بعدم خوض حروب جديدة، نفسه في مواجهة عسكرية ساهمت في تأجيج التضخم وإعادة الضغوط المعيشية إلى الواجهة. وفي موازاة ذلك، تبدّدت آمال الجمهوريين بالتوصل إلى وقف لإطلاق النار، نتيجة ضغوط داخلية حالت دون تحقيق الانفراج الذي كانوا يعوّلون عليه قبل الانتخابات. ولم تقتصر أسباب التراجع على الحرب والاقتصاد، إذ أشار التحقيق إلى تنامي استياء الناخبين الأميركيين من قضايا الفساد، بعدما كشفت تحقيقات صحافية عن شبهات تتعلق باستخدام ترامب ومقرّبين منه مناصبهم لتحقيق مكاسب مالية شخصية. وبحسب التقرير، أسهمت هذه الاتهامات، التي تتعلق بشبهات إثراء غير مشروع لم تُعرض بوصفها أحكامًا قضائية نهائية، في تحويل الفساد إلى أحد أبرز مصادر القلق لدى الناخبين. وفي الوقت نفسه، اتخذ ترامب خطوات انتخابية أثارت انتقادات حتى داخل دائرته السياسية. فخلال مؤتمر انتخابي خاص عُقد في مدينة دالاس خلال أيلول الماضي، فاجأ الرئيس الأميركي الحاضرين بإعلانه وعدًا بمنح كل مواطن أميركي مبلغ 5000 دولار، لكن بشرط فوز الجمهوريين في الانتخابات. وأثار هذا الوعد ردود فعل سلبية داخل محيطه، إذ وصف بعض المقرّبين منه الخطوة بأنها محاولة مكشوفة لـ"رشوة" الناخبين باستخدام الأموال العامة. وإلى جانب هذه الملفات، تناول الت