أثار إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، نيّة بلاده وقف تقديم المساعدات العسكرية لإسرائيل مع نهاية العام الحالي، تساؤلات بشأن دلالات الإعلان وسياقاته في هذا التوقيت، وكيفية ترجمته على أرض الواقع، خصوصاً أنه ربط الخطوة بتفاهمات مع تل أبيب، وبأنها لم تعُد بحاجة إلى هذه المساعدات، بل أشار إلى أنها جاءت بطلب من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. ويُستشف من قراءات وتحليلات إسرائيلية خلال الساعات الماضية، رصدتها "المدن"، وجود ثلاثة سياقات لإعلان ترامب يوم الاقتراع في الانتخابات النصفية الأميركية، تبكير وقف الدعم العسكري لإسرائيل إلى نهاية العام الحالي، بدلاً من انتظار موعد انتهائه المقرر في عام 2028. ويتمثل السياق الأول بالتقييمات "غير الجيدة" للوضع الاقتصادي الأميركي، حتى داخل أوساط من قاعدة ترامب الانتخابية، إذ تأتي الخطوة في إطار مساعي البيت الأبيض لتوفير الأموال وتوجيهها إلى الداخل بدلاً من إنفاقها خارجياً. وتتقاطع هذه القراءة مع ما قاله الصحافي الأميركي من أصول فلسطينية محمد القاسم لـِ "المدن"، من أن إعلان ترامب جاء في إطار محاولة استقطاب الناخبين المترددين في الانتخابات النصفية، واسترضاء تيار "ماغا" داخل الحزب الجمهوري استعداداً للانتخابات الرئاسية المقبلة. وأوضح أن هذا التيار يرفض إنفاق أموال طائلة في الخارج وتقديم الدعم لإسرائيل دون مقابل، كما يرفض أن تكون الولايات المتحدة "شرطي العالم" أو أن تنخرط في حروب خارجية، كما يدعم نائب الرئيس جاي دي فانس. أما السياق الثاني، فتقرأه أوساط سياسية وإعلامية إسرائيلية في إطار "تآكل" مكانة إسرائيل داخل الولايات المتحدة، وتحول النظرة إليها من "رصيد أميركي" إلى "عبء"، مبينة أن هذا التصور تتبناه أيضاً أوساط يهودية أميركية تتحفظ على سياسات تل أبيب الداخلية والإقليمية، وكذلك ممارساتها التي تفجّر الأوضاع مع الفلسطينيين وفي الشرق الأوسط. في حين، اعتبر الصحافي المتابع للسياسة الأميركية داود كُتّاب، في حديث لـ"المدن"، أن القرار يبعث برسالة "قوية" لباقي دوائر الدولة الأميركية، خصوصاً المتعلقة بدافعي الضرائب الأميركيين. ثمة سياق ثالث يتصل بجوهر محادثات مغلقة بين ترامب ونتنياهو خلال الأشهر الماضية، تمحورت حول سبل اعتماد إسرائيل تدريجياً على نفسها هجومياً ودفاعياً، وفق ما رصدته "المدن" في تقارير أمنية وإفادات صحافيين ومحللين محسوبين على اليمين الإسرائيلي. وقد يندرج ذلك ضمن نقاش أميركي-إسرائيلي رسمي واستراتيجي يجري بعيداً عن الإعلام منذ فترة، بشأن إعادة صياغة العلاقة بين الطرفين، استجابةً لتحولات أمنية وسياسية واقتصادية داخلية وإقليمية ودولية، بما يمكّن إسرائيل من فرض نفسها "قوة ذاتية" في الشرق الأوسط، دون أن يعني ذلك بالضرورة تخلي واشنطن عنها، بقدر ما يعني صياغة العلاقة والدعم بشكل مختلف. لكن الباحث الإسرائيلي في شؤون الشرق الأوسط إيال زيسر، أوضح في حديث إذاعي، أن إعلان ترامب هو "قرار انتخابي وسياسي واقتصادي وأمني" في آن واحد، مشيراً إلى أهمية الملف الاقتصادي في الولايات المتحدة، وانسجام الخطوة مع رؤية ترامب وتيار جمهوري تحت عنوان "أميركا أولاً"، القائمة على أنه لا يوجد دعم مطلق ومجاني لأحد، حتى لو كان حليفاً. واعتبر زيسر أن حديث ترامب عن عدم حاجة إسرائيل إلى حزمة الدعم العسكري البالغة 3.8 مليارات دولار سنوياً، هو "صحيح"، مستنداً إلى امتلاكها "موارد وحقول غاز وقطاع هايتك". لكنه رأى أن المشكلة بالنسبة لإسرائيل ليست مالية بل سياسية؛ لكون الإعلان يعكس تراجع مكانتها داخل أميركا، حتى لدى أوساط في الحزب الجمهوري، مقارنة بما كانت عليه قبل 20 أو 40 عاماً، بمنظور زيسر. تقول منصات ومواقع إسرائيلية، وكذلك قراءة للباحث إيال زيسر، إن وقف المساعدات العسكرية بمفهوم ترامب، يعني حصراً وقف الأموال التي تقدمها الخزانة الأميركية لشراء أسلحة ومعدات من الولايات المتحدة لصالح إسرائيل، باعتبار أن الأخيرة ليست بحاجة إلى هذه الأموال. وبذلك، تُقدر معظم القراءات الأمنية في تل أبيب، أن الدعم الأميركي سيستمر، ولكن بصيغة جديدة تقوم على التمويل الإسرائيلي للمشتريات العسكرية، بما يقلل العبء على "الجيب الأميركي"، ولكن مع ضمان استمرار الدعم الاستخباراتي والتدريبات المشتركة. وبتفصيل أكبر، يدور الحديث في هذه المرحلة عن وقف تحويل الأموال من الخزانة الأميركية إلى البنوك، بحيث تشتري تل أبيب ما تحتاجه من أسلحة دفاعية وهجومية من الولايات المتحدة بأموالها الخاصة، وفق إفادات سياسية متطابقة حصلت عليها "المدن". مفاجأة أمنيين إسرائيليين.. بالتوقيت لا المضمون مع ذلك، تبدي أوساط عسكرية وسياسية إسرائيلية استياءً من توقيت إعلان ترامب وطريقته، رغم علمها المسبق بهذا التوجه الذي يعكس بدوره الجدل داخل أميركا بشأن تراجع شعبية إسرائيل. وب