انتقد الباحث في مبادرة سياسات الغد خالد سعد السياسة الضريبية التي تعتمدها الدولة اللبنانية في إعداد الموازنة، معتبرًا أنها تقوم على تأمين الإيرادات بأبسط الوسائل بدلًا من اعتماد معايير العدالة الضريبية، كاشفًا أن 80% من الضرائب الملحوظة في الموازنة هي ضرائب على الاستهلاك. ووصف الموازنة بأنها "دفترية" ولا تعكس حقيقة الوضع المالي للدولة، محذّرًا من تداعيات هذا النهج على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين. وفي مقابلة ضمن برنامج "3:15 إقتصاد" عبر شاشة "RED TV"، أوضح سعد أن الحكومة تعتمد بصورة أساسية على ضرائب الاستهلاك لزيادة إيراداتها، مستفيدة من ارتفاع قيمتها مع التضخم، بدلًا من البحث عن مصادر أخرى للإيرادات تكون أكثر عدالة في توزيع الأعباء الضريبية. وأشار إلى أن هذه السياسة لا تؤدي إلا إلى مفاقمة الصعوبات الاجتماعية والاقتصادية التي يواجهها المواطنون، معتبرًا أن اعتماد الدولة على الضرائب المرتبطة بالاستهلاك يحمّل اللبنانيين أعباء إضافية، في وقت تتجنّب فيه اللجوء إلى مصادر الإيرادات الحقيقية. وفي شرحه لبنية النظام الضريبي، لفت سعد إلى أن الضرائب تنقسم إلى 3 فئات رئيسية، هي الضرائب على المشتريات والاستهلاك، والضرائب على الدخل، والضرائب على الثروة. وأوضح أن لبنان يُعدّ ثاني أقل دولة في جباية الضرائب على الدخل، وفق ما أشار إليه، في حين تبقى الضرائب على الثروة محدودة في السياسة المالية المعتمدة. وفي هذا الإطار، توقف عند الضريبة على الشقق الشاغرة التي كانت مدرجة في النسخة الأولى من الموازنة، قبل أن تُحذف من صيغتها النهائية. وعلّق سعد على إلغاء هذه الضريبة بالقول: "لأننا نعلم من يملك الشقق الشاغرة"، في إشارة إلى الجهات المستفيدة من عدم فرضها، معتبرًا أن حذفها يعكس استمرار اعتماد الدولة على ضرائب الاستهلاك بدلًا من تنويع مصادر إيراداتها. وانتقل سعد إلى مسألة العلاقة بين جباية الضرائب والإنفاق الحكومي، مشيرًا إلى أن الدولة تحصّل إيراداتها الضريبية بالليرة اللبنانية، لكنها تسدّد نفقاتها بالدولار، ما يدفعها إلى شراء العملة الأميركية من السوق. وأوضح أن هذه الآلية تؤدي عمليًا إلى زيادة الضغط على الدولار المتوافر في السوق، نتيجة حاجة الدولة إلى تأمين العملة الأميركية لتغطية مدفوعاتها، رغم أن إيراداتها الضريبية تُجبى بالعملة اللبنانية. وفي تقييمه للأرقام الواردة في الموازنة، اعتبر سعد أن المشكلة لا تقتصر على طبيعة الإيرادات الضريبية، بل تشمل أيضًا طريقة إظهار الالتزامات المالية للدولة. ووصف الموازنة بأنها "دفترية"، موضحًا أن الدولة اللبنانية متخلّفة عن سداد ديونها منذ 7 سنوات، وتواصل تأجيل مدفوعاتها إلى أجل غير مسمّى. وأشار إلى أن هذا الواقع يجعل الأرقام المدرجة على الورق غير معبّرة عن حقيقة الوضع المالي للدولة، إذ لا تعكس الموازنة كامل الالتزامات التي جرى تأجيل تسديدها. وشدّد سعد على أن الدولة تختار الطريقة الأسهل لتأمين الإيرادات، وليس الطريقة الأكثر عدالة، معتبرًا أن الإصرار على ضرائب الاستهلاك بدلًا من التوسّع في فرض الضرائب على الدخل والثروة يعكس الخلل في السياسة الضريبية المعتمدة. وتأتي هذه الملاحظات في سياق النقاش حول طبيعة الإيرادات التي تستند إليها الموازنة، ومدى قدرتها على تقديم صورة فعلية عن مالية الدولة، في ظل استمرار تأجيل الالتزامات المالية والاعتماد على الضرائب المرتبطة بالاستهلاك. وبين هيمنة ضرائب الاستهلاك على الإيرادات، وإلغاء الضريبة على الشقق الشاغرة، والاختلاف بين عملة الجباية وعملة الإنفاق، خلص سعد إلى أن السياسة المالية الحالية تعتمد على الخيارات الأسهل لتأمين الأموال، فيما تستمر الأعباء الاقتصادية والاجتماعية على المواطنين من دون معالجة الاختلال في توزيع الضرائب أو إظهار الالتزامات المالية الحقيقية للدولة.