لا يمكن فصل التحولات السياسية المتسارعة التي تشهدها المنطقة، وما أفرزته المواجهات العسكرية الأخيرة من تبدلات في موازين القوى، عن ما حصل في 7 تشرين الاول 2023 "طوفان الأقصى " وما طرأ على المشهد اللبناني منذ ذلك الوقت ، ولكن اليوم تتزايد التساؤلات حول انعكاسات هذه التطورات وعن طبيعة العلاقة بين الرئاسة الأولى وحزب الله، ومدى تراجع الضغوط التي كانت تحكم هذه العلاقة في المرحلة السابقة لا سيما بعد الانتخابات الاميركية والاسرائيلية الاخيرة وما افرزته من نتائج مخيبة للفريق الماضي في ركب الاميركي. وفي قراءة لهذه المشهدية، يشير الكاتب والمحلل السياسي إبراهيم بيرم، في حديث إلى "ليبانون ديبايت"، إلى أن الضغوط التي كانت تمارسها الدولة اللبنانية، برئاستيها، خفّت إلى حدّ ما في المرحلة السابقة، ولا سيما قبل ظهور نتائج الانتخابات، معتبراً أن المرحلة الحالية تشهد نوعاً من الهدنة بين الرئاسة الأولى وحزب الله. ويوضح بيرم أن هذه الهدنة تتمثل في تراجع حدة المواجهة بين الطرفين، ووقف كل منهما الهجمات المتبادلة تقريباً، إلا أنه لا يعتبر أن ذلك يعني أن الخلافات قد انتهت أو أن العلاقة دخلت مرحلة تسوية نهائية. وفي هذا السياق، يتوقف عند التطور المتصل بملف شحنة المتفجرات وإحالتها إلى المحكمة العسكرية بدلاً من المجلس العدلي، معتبراً أن هذا الإجراء يمكن أن يشكّل نوعاً من البدايات في اتجاه تخفيف التوتر وفتح المجال أمام مقاربة مختلفة للملفات الخلافية. لكن بيرم ينقل، في المقابل، أن الحزب لا يزال يعتبر أن المشكلة لم تنتهِ مع الطرف الآخر، وأن الخلافات القائمة لا تزال موجودة، ما يعني أن الهدوء الحالي لا يكفي للقول إن الأمور عادت إلى طبيعتها بين بعبدا والحزب أو إن الحوار بين الطرفين حقق تقدماً حاسماً. إسرائيل بين نتائج المواجهة وهاجس الخوف وعلى المستوى الإسرائيلي، يتوقف بيرم عند التطورات الداخلية في إسرائيل، ولا سيما ما أظهرته نتائج التصويت ضد بنيامين نتنياهو، وما يمكن أن تعكسه من مؤشرات إلى تغيّر محتمل في المزاج السياسي الإسرائيلي. لكنه يشير إلى أن طبيعة هذا التغيير وكيفية ترجمته سياسياً لا تزالان غير واضحتين، إذ لا يمكن حتى الآن تحديد الاتجاه الذي ستسلكه هذه التطورات أو معرفة ما إذا كانت ستؤدي إلى تحولات فعلية في السياسة الإسرائيلية. وفي تقديره، فإن المجتمع الإسرائيلي لا يزال يعيش حالة من الخوف والتوتر والترقب، رغم ما حققته إسرائيل من انتصارات عسكرية وضربات ونتائج ميدانية خلال المواجهات، فهذه المكاسب، وفق بيرم، لم تنهِ حالة القلق التي تسود المجتمع الإسرائيلي، سواء على مستوى الحكم أو مؤسسات الدولة أو الرأي العام. ويعتبر أن الخوف لا يزال حاضراً في المجتمع الإسرائيلي، وأن حالة الترقب لم تنتهِ رغم ما شهدته المرحلة الأخيرة من تطورات عسكرية، الأمر الذي يبقي احتمالات عودة إسرائيل إلى التصعيد والتحرك مجدداً في المنطقة قائمة. ومن هنا، لا يستبعد بيرم أن تعود إسرائيل إلى ممارسة مزيد من الضغوط والتحركات الإقليمية، بما في ذلك على الساحة الفلسطينية، لكنه يشدد على أن الحديث عن هذا الاحتمال لا يزال سابقاً لأوانه، لأن المنطقة لا تزال في مرحلة انتقالية، و"الجرح لا يزال ساخناً"، ولم تتبلور بعد النتائج النهائية للمواجهة. ويضيف أن هناك بالفعل أموراً تتغير، لكن من الصعب على المراقبين البناء عليها منذ الآن أو اعتبارها مؤشراً حاسماً إلى اتجاه سياسي أو استراتيجي جديد، إذ إن قراءة التحولات تحتاج إلى بعض الوقت حتى تتضح معالمها. هل تغيّر سلوك ترامب بعد التطورات الأميركية؟ وفي ما يتعلق بإمكانية انعكاس التطورات الداخلية الأميركية على سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه المنطقة، ولا سيما بعد خسارة الجمهوريين في الانتخابات، يرى بيرم أن الوضع الأميركي مختلف عن السابق، وأن مسألة انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة لم تعد احتمالاً بعيداً أو مستبعداً، بل باتت فرضية جدية تستحق المتابعة. ويشير إلى أن ما حصل في الولايات المتحدة يعزز التوجه نحو الانسحاب الأميركي، أو على الأقل إعادة النظر في طبيعة الحضور الأميركي ودوره في المنطقة، لكنه يطرح في المقابل سؤالاً جوهرياً يتجاوز مسألة الانسحاب بحد ذاتها، وهو: من سيملأ الفراغ الذي ستتركه الولايات المتحدة إذا قررت تقليص وجودها أو الانسحاب؟ وفي هذا الإطار، يتوقف بيرم عند الرأي الذي طرحه رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي السابق وليد جنبلاط، ومفاده أن إسرائيل قد تكون الطرف الذي سيتولى ملء الفراغ الأميركي في المنطقة. ثلاث قوى إقليمية تتنافس على ملء الفراغ إلا أن بيرم لا يعتبر أن هذا الاحتمال محسوم، ولا يرى أن إسرائيل ستكون بالضرورة القوة الوحيدة القادرة على الحلول مكان الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن المنطقة تضم ثلاث قوى رئيسية تتنافس على النفوذ، هي