لا تقتصر تداعيات التشويش الإسرائيلي على إشارات نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) على إرباك الملاحة وتغيير المواقع التي تظهر على الهواتف، بل قد تمتد إلى تهديد أنظمة التوقيت التي تعتمد عليها قطاعات حيوية في إسرائيل، من الاتصالات والكهرباء إلى المصارف والمستشفيات. وبحسب مقال نشرته صحيفة "جيروزاليم بوست" للفيزيائي نيشانت ساهديف، فإن إسرائيل تستخدم التشويش على إشارات الملاحة عبر الأقمار الاصطناعية لتصعيب استفادة الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية والأنظمة المعادية من هذه الإشارات. غير أن هذه الإجراءات الدفاعية تطرح مشكلة أقل وضوحاً، تتمثل في أن نظام GPS لا يحدد المواقع فحسب، بل يوفر أيضاً مرجعاً دقيقاً للتوقيت. فكل قمر اصطناعي يرسل إشارة تتضمن موقعه واللحظة الدقيقة التي أرسلها فيها، ويحسب جهاز الاستقبال المسافة استناداً إلى الوقت الذي تستغرقه الإشارة للوصول إليه. وبذلك، لا تقتصر وظيفة النظام على تحديد الموقع، بل تشكل دقة التوقيت إحدى أهم خدماته. وتعتمد قطاعات اقتصادية وتقنية واسعة على هذا التوقيت. فأبراج الاتصالات تحتاج إلى توافق ساعاتها بفارق لا يتجاوز جزءاً من مليون من الثانية حتى تتمكن من نقل المكالمات بينها، فيما يستخدم مشغّل شبكة الكهرباء الإسرائيلية "نوغا" التوقيت لمقارنة مراحل التيار الكهربائي في محطات فرعية متباعدة. كذلك، تعتمد المعاملات المصرفية وسجلات الأنظمة الأمنية على الطوابع الزمنية لترتيب العمليات وتوثيقها. ويحذّر الكاتب من أن التشويش الذي يهدف إلى حماية المجال الجوي الإسرائيلي قد يضعف في الوقت نفسه المرجع الزمني الذي تعتمد عليه المستشفيات ومحطات الكهرباء وأنظمة الدفع. التشويش ليس الخطر الوحيد ويوضح المقال أن أجهزة الاستقبال تستطيع التعامل مع انقطاع إشارات الأقمار الاصطناعية لفترة محدودة، عبر الانتقال إلى مذبذب داخلي يحافظ على التوقيت، وهي آلية تُعرف باسم "Holdover"، وتسمح باستمرار العمل إلى حين عودة الإشارة. لكن المشكلة الأكثر خطورة تظهر في حالة انتحال الإشارات (Spoofing)، إذ يمكن إرسال إشارات زائفة تجعل جهاز الاستقبال يعتقد أنه يتلقى بيانات صحيحة، فيضبط ساعته وفق توقيت خاطئ من دون أن يدرك وجود خلل. وفي هذه الحالة، لا ينتقل الجهاز إلى الاعتماد على ساعته الداخلية، لأنه لا يعلم أصلاً أنه تعرض للتضليل. ويستشهد الكاتب بتجربة أجراها باحثون في النرويج العام الماضي، حيث تمكنوا من إزاحة توقيت أحد أجهزة الاستقبال بمقدار ميلي ثانية كاملة عن الوقت الحقيقي، بينما كان الجهاز يعلن أن دقته أفضل من 50 نانوثانية. ويعادل هذا الخطأ 20 ألف ضعف مستوى الدقة المعلن، كما أن الميلي ثانية تتجاوز بنحو 700 مرة هامش التفاوت الذي صُممت شبكات الاتصالات المحمولة لتحمله. ويشير المقال إلى أن الخطر لا يتمثل بالضرورة في انقطاع الأنظمة أو ظهور عطل واضح، بل في استمرارها بالعمل فيما تسجل توقيتات خاطئة، من دون أن تظهر مؤشرات الإنذار المعتادة. سابقة كادت تعطل أنظمة بريطانية ويستعيد الكاتب حادثة وقعت في كانون الثاني 2016، عندما أدى خلل في تحميل تحديث برمجي خلال إخراج أحد أقمار GPS القديمة من الخدمة إلى انحراف التوقيت الذي بثته 15 قمراً اصطناعياً بمقدار 13 ميكروثانية. واستمرت الأعطال يومين، وتسببت في توقف البث الإذاعي الرقمي في بريطانيا وإلغاء أوامر في أنظمة التداول. كما اعتقد مختبر القياسات الوطني الأميركي في البداية أن الخلل أصاب ساعته الخاصة، قبل أن يتضح أن المشكلة مصدرها إشارات الأقمار الاصطناعية. ويرى الكاتب أن ما حدث آنذاك بصورة عرضية يطرح تساؤلات أكبر بالنسبة إلى إسرائيل، حيث يستمر التشويش بصورة متعمدة منذ أشهر، وتشتد حدته خلال فترات الهجمات، وهي الأوقات التي تحتاج فيها شبكات الاتصالات إلى نقل إنذارات قيادة الجبهة الداخلية، وتعمل فيها شبكة الكهرباء تحت ضغط، فيما تحاول الجهات المختصة التمييز بين الحرب الإلكترونية والهجمات السيبرانية. إسرائيل تملك ساعة ذرية... لكنها لا تستخدمها ويكشف المقال أن إسرائيل لا تفتقر إلى مرجع زمني وطني مستقل، إذ ينص قانون تحديد الوقت لعام 1992 على أن التوقيت الرسمي الإسرائيلي هو UTC(INPL)، ويُنتج في المختبر الوطني للفيزياء بالاعتماد على ساعات ذرية من السيزيوم. لكن المشكلة، بحسب الكاتب، تكمن في أن توزيع التوقيت داخل إسرائيل يتم عبر شركات الاتصالات، التي تُعاير معاييرها وفق المرجع الوطني مرة واحدة سنوياً، وفقاً للمكتب الدولي للأوزان والمقاييس. ويعتبر أن المعايرة السنوية لا تشكل بديلاً عن مصدر توقيت مستمر، لافتاً إلى أن شبكة الكهرباء والمصارف وشركات الاتصالات لا تزال تعتمد على أجهزة استقبال GPS، بدلاً من استخدام الساعة الوطنية بصورة مباشرة. ويربط الكاتب هذه الفجوة بتوزع الصلاحيات بين المؤسسات الرسمية، إذ يتبع المخ