في توقيت سياسي بالغ الحساسية، وصل رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير إلى إسرائيل، في محاولة أميركية لإعادة تحريك خطة الرئيس دونالد ترامب المتعثّرة بشأن قطاع غزة، وسط جمود في المفاوضات مع حركة "حماس"، واستمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية، وتعقيدات سياسية فرضتها نتائج الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، ما يضع مستقبل الخطة أمام تحديات متشابكة على المستويين الأمني والسياسي. وبحسب تقرير للصحافي إيتمار آيخنر، نشره موقع "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلي "ynet"، اليوم الخميس، التقى بلير، الذي يشغل موقعًا بارزًا في "مجلس السلام" التابع لترامب، الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، على هامش المشاورات التي يجريها الأخير مع الأحزاب الإسرائيلية لتكليف شخصية بتشكيل الحكومة الجديدة. وتأتي زيارة بلير في إطار سلسلة لقاءات مقررة مع مسؤولين إسرائيليين، ضمن الجهود التي تبذلها الإدارة الأميركية و"مجلس السلام" لإحياء الخطط المتوقفة لإعادة إعمار قطاع غزة، والدفع نحو تنفيذ المراحل الأولى من المبادرة الأميركية. وكان موقع "ynet" قد كشف في وقت سابق من هذا الأسبوع أن الضغوط الأميركية الرامية إلى إحراز تقدم في تنفيذ خطة ترامب لإنهاء الحرب على غزة لا تزال مستمرة حتى بعد الانتخابات الإسرائيلية، رغم الجمود الذي يخيّم على المحادثات مع حركة "حماس"، واستمرار النشاط العسكري للجيش الإسرائيلي داخل القطاع. ومن المنتظر أن يركّز بلير خلال اجتماعاته على سبل دفع المراحل الأولى من الخطة، وفي مقدمتها إدخال لجنة التكنوقراط إلى قطاع غزة، وإنشاء قوة دولية لتحقيق الاستقرار، باعتبارهما من الخطوات الأساسية التي تسعى واشنطن إلى تفعيلها. إلا أن الواقع الميداني والسياسي لا يشير حتى الآن إلى اقتراب الانتقال نحو المرحلة التالية من الخطة. فبحسب مصادر مطّلعة على تفاصيل الاتصالات، تشهد المفاوضات حالة من الجمود الكبير، من دون تسجيل أي تقدّم فعلي في المسار الأميركي. وتشير هذه المصادر إلى أن حركة "حماس" لم تُنزع أسلحتها بعد، وأنها تواصل إعادة بناء صفوفها داخل قطاع غزة، في مقابل استمرار الجيش الإسرائيلي في تنفيذ عمليات استهداف عناصر الحركة، وهي عمليات تصاعدت وتيرتها خلال الفترة الأخيرة. ويضاف إلى هذا التعقيد الأمني مأزق سياسي داخلي في إسرائيل، فرضته نتائج انتخابات الكنيست الـ26، التي أدخلت المشهد السياسي في مرحلة من عدم اليقين، في ظل غياب صورة واضحة عن الأكثرية البرلمانية، وعدم حسم إمكانية تشكيل حكومة مستقرة. وتنعكس هذه التطورات مباشرة على قدرة إسرائيل على بلورة سياسة طويلة الأمد تجاه قطاع غزة، ولا سيما في ما يتعلق بكيفية التعامل مع المبادرة الأميركية والخطوات المطلوبة للانتقال إلى مراحلها المقبلة. وفي الوقت الذي تضغط فيه واشنطن من أجل تحقيق تقدّم ملموس في خطة ترامب، لا تزال الأوساط السياسية الإسرائيلية تفتقر إلى رؤية واضحة بشأن طبيعة السياسة التي ستعتمدها إسرائيل تجاه غزة خلال الأشهر المقبلة، في ظل استمرار المشاورات المتعلقة بتشكيل الحكومة. وفي موازاة هذه التعقيدات، ترصد المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، وفق التقرير، استعدادات من جانب حركة "حماس" لخوض معركة إعلامية أمام المجتمع الدولي، تتمحور بصورة أساسية حول التداعيات الإنسانية لموسم الشتاء الذي يقترب. وبحسب مصادر مطّلعة على الملف، تتوقع الجهات الأمنية الإسرائيلية أن تطلق الحركة حملة تركّز على الأضرار الناجمة عن الأحوال الجوية، وغياب البنية التحتية الملائمة، والنقص في المعدات والمستلزمات الضرورية لتدفئة السكان وحمايتهم من البرد. وترى هذه المصادر أن "حماس" تسعى، من خلال تسليط الضوء على الأوضاع الإنسانية الصعبة داخل القطاع، إلى زيادة الضغوط الدولية على إسرائيل، على أمل أن تؤدي الانتقادات المتصاعدة إلى وقف عمليات الاستهداف والغارات الإسرائيلية، أو على الأقل الحدّ من وتيرتها. وبذلك، تأتي زيارة بلير ولقاؤه هرتسوغ في مرحلة تتداخل فيها المساعي الأميركية لإحياء خطة إعادة إعمار غزة مع استمرار العمليات العسكرية والجمود التفاوضي، فيما تضيف نتائج الانتخابات الإسرائيلية عاملًا جديدًا من عدم اليقين بشأن القرارات السياسية المطلوبة لتنفيذ المبادرة، لتبقى قدرة واشنطن على نقل خطتها من مرحلة الاتصالات إلى التنفيذ الفعلي مرتبطة بتجاوز هذه العقبات.