"ليبانون ديبايت"- العميد منير شحادة لم تعد الحرب الأميركية ـ الإيرانية حرباً مؤجلة، ولا مجرد مواجهة قابلة للاحتواء عبر الوسطاء. ما جرى خلال الأيام الأخيرة يؤكد أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من الصراع، عنوانها الأوضح: عودة النار بعد فشل الهدنة، وانتقال واشنطن من محاولة إخضاع إيران اقتصادياً إلى محاولة إنهاكها عسكرياً. فالضربات الأميركية الأخيرة على مواقع للحرس الثوري الإيراني ومنظومات الدفاع الجوي والرادارات والمنشآت البحرية والاتصالات، أعقبها رد إيراني بالصواريخ والمسيَّرات على مواقع أميركية في البحرين والأردن والكويت والعراق. وبذلك انتهت عملياً فترة الهدوء التي سادت منذ تموز، وعادت قواعد الاشتباك إلى منطق الضربة والضربة المقابلة. لكن السؤال الذي ينبغي طرحه ليس: لماذا عادت الحرب؟ السؤال الأهم هو: لماذا فشل الضغط الاقتصادي في تحقيق الهدف السياسي الأميركي؟ اعتمدت الولايات المتحدة طوال المرحلة السابقة على استراتيجية تقوم على خنق الاقتصاد الإيراني، ولا سيما قطاع النفط. وقد حقق هذا الخيار نتائج قاسية بالفعل. فالحصار الأميركي على حركة النفط عبر مضيق هرمز أدى إلى انهيار الصادرات الإيرانية من نحو مليوني برميل يومياً في آذار إلى ما يقارب ٢٢٠ ـ ٢٥٥ ألف برميل يومياً في آب، وفق بيانات أوردتها رويترز. إذن، إن السلاح الاقتصادي نجح في إيلام إيران. لكنه لم ينجح في إجبار إيران على الاستسلام. فالولايات المتحدة كانت تراهن على أن انهيار الإيرادات النفطية، وارتفاع التضخم، وتراجع القدرة على تمويل الدولة والجيش، سيؤدي في النهاية إلى قبول طهران بشروط واشنطن. لكن إيران اختارت طريقاً آخر: تحمُّل الكلفة الاقتصادية مقابل الاحتفاظ بالقدرة على الرد. وهنا اصطدمت الاستراتيجية الأميركية بمشكلة كلاسيكية في الحروب الحديثة: يمكنك أن تخنق اقتصاد دولة، لكنك لا تستطيع أن تضمن أن اقتصادها سينهار قبل أن تتحول هي إلى دولة مقاتلة أكثر شراسة. الصين وروسيا: ثغرة في الجدار الأميركي لم يكن الضغط الاقتصادي الأميركي يجري في فراغ. فإيران ليست دولة معزولة تماماً عن الاقتصاد العالمي. لديها الصين باعتبارها المشتري الرئيسي لنفطها، ولديها روسيا كشريك سياسي وعسكري واستراتيجي، ولديها شبكة واسعة من العلاقات والطرق البديلة والاقتصاد غير الرسمي. حتى عندما نجح الحصار في منع جزء كبير من النفط الإيراني من الوصول إلى الأسواق، بقيت الصين لاعباً مركزياً في المعادلة. وهنا تظهر مشكلة أعمق بالنسبة إلى واشنطن. فالمواجهة مع إيران لم تعد مجرد مواجهة مع دولة شرق أوسطية. إنها أصبحت اختباراً لقدرة الولايات المتحدة على استخدام السيطرة على النظام المالي العالمي والممرات البحرية لإجبار دولة على تغيير سلوكها، في وقت تتزايد فيه قدرة روسيا والصين على توفير البدائل. ولهذا فإن الحرب الإيرانية ليست حرباً على إيران فقط. إنها أيضاً معركة على من يضع قواعد النظام الدولي في مرحلة ما بعد الهيمنة الأميركية المنفردة. لأن واشنطن وصلت إلى استنتاج بالغ الخطورة: الحصار يستطيع خفض قدرة إيران الاقتصادية، لكنه لا يستطيع وحده إزالة قدرتها على الرد. بل إن استمرار الحصار من دون نتيجة سياسية كان يهدد بتحويل الورقة الأميركية إلى عبء. فالولايات المتحدة أرادت السيطرة على حرية الملاحة ومنع إيران من استخدام المضيق كسلاح. لكن النتيجة كانت أن المضيق نفسه أصبح مركز المعركة. وتشير التطورات الأخيرة إلى تعرض ناقلات نفط لهجمات واضطراب حركة الملاحة، فيما تجاوزت تداعيات الأزمة أسواق الطاقة إلى التجارة العالمية برمتها. ومن هنا يصبح الخيار العسكري، في الحساب الأميركي، محاولة لاستعادة المبادرة. لكن هذا الخيار يحمل في داخله تناقضاً كبيراً: كلما زادت واشنطن ضرباتها لإيران، زادت حاجة إيران إلى الرد على المصالح الأميركية في المنطقة. وهكذا يمكن أن يتحول التفوق العسكري الأميركي إلى حرب استنزاف استراتيجية. إيران لا تحتاج إلى الانتصار... يكفيها منع الهزيمة هذه هي النقطة التي يجب ألا تغيب عن أي قراءة للمشهد. إيران لا تواجه الولايات المتحدة على أساس أنها قادرة على خوض حرب تقليدية متكافئة معها. هي تعرف أن التفوق الجوي والبحري الأميركي هائل. لكنها لا تحتاج إلى إسقاط حاملات الطائرات الأميركية كي تحقق هدفها. يكفيها أن تهدد القواعد الأميركية. يكفيها أن تضرب المصالح المرتبطة بالولايات المتحدة. يكفيها أن تجعل مضيق هرمز منطقة عالية المخاطر. ويكفيها، قبل كل ذلك، أن تمنع واشنطن من تحويل التفوق العسكري إلى استسلام سياسي إيراني. ولهذا جاء الرد الإيراني الأخير واسعاً جغرافياً، إذ طال مواقع أميركية في البحرين والأردن والكويت والعراق. إذا أرادت واشنطن حرباً إقليمية، فلن تكون إيران هي الساحة الوحيدة لها. إسرائيل: المستفيد الأكثر ا