قبل قراءة السطر الأول من رواية، تكون صورة الغلاف قد أدّت مهمتها الأولى في إثارة فضوله أو صرف نظره عنها. فالغلاف ليس مجرد واجهة تزيينية للكتاب، بل عمل بصري تتقاطع فيه الفنون التشكيلية والتصوير الفوتوغرافي والتصميم الغرافيكي مع الأدب والتسويق. وقد تنجح صورة واحدة في اختزال عالم روائي كامل، أو في طرح أسئلة لا يجد القارئ إجاباتها إلا بين صفحات الكتاب. على امتداد عقود، استعانت دور النشر بالمصورين والرسامين والفنانين التشكيليين لصناعة أغلفة تمنح الكتب هويتها البصرية. وكانت وراء كل صورة عملية إبداعية تبدأ بالفكرة، وتمر بمراحل من البحث والتجريب والتصوير أو الرسم. غير أن دخول الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى هذا المجال أحدث تحولاً في آليات الإنتاج، بعدما أصبح بالإمكان توليد عشرات المقترحات البصرية خلال دقائق، وبكلفة قد تكون أقل من الاستعانة بفنان محترف. لكن هل تعني سهولة إنتاج الصورة أنها قادرة على منافسة العمل الفني الذي يصنعه الإنسان؟ وهل يستطيع القارئ التمييز بين غلاف رسمته يد فنان وآخر أنتجته خوارزمية؟ والأهم، هل تتحدد قيمة الغلاف بجاذبيته البصرية وحدها، أم بقدرته على ترجمة روح النص الأدبي؟ الصورة الفوتوغرافية بوصفها رؤية في سوق أغلفة الكتب العالمية، تعمل وكالات متخصصة مثل «تريفيليون إيمجز» (Trevillion Images) و«آرك إنجل إيمجز» (Arcangel Images) على توفير صور فنية للناشرين والمصممين، تتجاوز وظيفتها التوثيقية إلى بناء مشاهد تحمل دلالات نفسية وسردية. المصور اللبناني محمد عيتاني، أحد المصورين المتعاونين مع هاتين الوكالتين العالميتين، ويتمتع بخبرة طويلة في مجال التصوير الفوتوغرافي لأغلفة الكتب، وقد نُشرت صوره في العديد من الأغلفة العربية والأجنبية حول العالم. ويقول عيتاني لـ"المدن" أن القيمة الحقيقية للصورة لا تكمن في جمالها أو التقنية المستخدمة لإنتاجها، وإنما في الفكرة التي تقف وراءها وقدرتها على إيصال إحساس أو رواية قصة. ويوضح أن طبيعة عمله تعتمد على بناء مشاهد ذات أبعاد نفسية وسردية، فقد تكون الفكرة بسيطة، كشخص يقف خلف نافذة، أو غرض قديم على طاولة، لكن توظيف الضوء والظل والتكوين والتفاصيل يمنحها معناها، ويترك للمشاهد مساحة للتخيل والتفسير. ولا ينظر عيتاني إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه خصماً للتصوير التقليدي، بل أداة إضافية تتيح استكشاف احتمالات بصرية جديدة وتنفيذ مشاهد معقدة. أما التحدي الحقيقي، فيراه في قدرة المصور على مواكبة تحولات السوق وتطوير لغته البصرية من دون التفريط بهويته الفنية. ويختصر رأيه بالقول إن الصورة الناجحة، خصوصاً في غلاف كتاب، "ليست بالضرورة الأكثر إبهاراً بصرياً، بل تلك التي تثير الفضول، وتحمل شيئاً من الغموض، وتجعل القارئ يرغب في اكتشاف القصة وراءها". وهنا تتجاوز المسألة المفاضلة بين الصورة الحقيقية والمولّدة آلياً، لتطرح سؤالاً حول قيمة الرؤية الفنية التي تقف وراء الصورة، بصرف النظر عن الأدوات المستخدمة في إنتاجها. ريشة تسند كلمةتكتسب العلاقة بين النص والصورة خصوصية مختلفة عندما تتولى الروائية نفسها رسم أغلفة أعمالها، فتتحول التجربة الإبداعية من الكلمات إلى الخطوط والألوان. الفنانة التشكيلية والروائية رولا علم الدين خاضت تجربتين متباينتين؛ إذ رسمت بنفسها غلاف روايتها الأولى "أسفار الأرواح"، بينما استعانت بالذكاء الاصطناعي في تصميم غلاف روايتها الثانية "ذاكرة البيوت المنسيّة". وتقول علم الدين لـ"المدن" إن رسم الغلاف يتيح لها فتح نافذة أخرى على ذاتها، لأن التفاصيل التي تستوقفها أثناء الرسم غالباً ما تكون هي نفسها التي شغلتها خلال الكتابة، فيتعرف القارئ إلى زاوية رؤيتها للأحداث والشخصيات. وتشير إلى أنها لمست اختلافاً في تفاعل القراء مع الغلافين؛ فبينما مرّوا بالغلاف المولّد بالذكاء الاصطناعي مروراً عابراً، استوقفهم غلاف "أسفار الأرواح"، وأثار إعجابهم أن يروا المشهد بعين الروائية التي كتبته ورسمته. وتطرح علم الدين سؤالاً يكثف تجربتها: "أستطيع أن أصف المشهد للذكاء الاصطناعي بدقة، لكن كيف أصف له تفصيلاً لا أكتشفه أنا نفسي إلا وأنا أرسم؟". هكذا، تكشف هذه التجربة جانباً آخر من العملية الفنية، يتمثل في أن الإبداع لا يقتصر على تنفيذ تصور مكتمل سلفاً، بل إن أفكاراً وتفاصيل تولد خلال ممارسة الرسم. ومع ذلك، تظل استجابة القراء التي رصدتها علم الدين، تجربة شخصية، لا تكفي للحكم على تفضيلات جمهور الكتب عموماً. أما الفنانة التشكيلية فاطمة مرتضى، التي تستعين روايات زوجها الكاتب فوزي ذبيان، بلوحاتها للأغلفة، فتنطلق من موقف أكثر تحفظاً تجاه قدرة الذكاء الاصطناعي على منافسة الإبداع الإنساني.وتقول: "اسمه الذكاء الاصطناعي وليس الذكاء العاطفي أو الذكاء الإبداعي"، معتبرة أنه يستطيع أداء مهام عقلية ومنطقية، لكنه لا يستطيع الحلول