رغم ما يثار من انتقادات حول القضاء اللبناني، لا يزال هذا الجسم يضم قضاةً ترفع لهم القبعة، لما يمتلكونه من علم قانوني، ولما يبذلونه من جهد في سبيل إعلاء الحق. ويقدّم القاضي المنفرد الجزائي في زحلة علاء بشير مثالاً على هؤلاء، من خلال قرار عالج مسألة قانونية دقيقة تتصل بحدود صلاحية القاضي في تفسير القانون ومدى إلزامية التحفظات التفسيرية للمجلس الدستوري. وببساطة، لم يُبطل القاضي بشير قرار المجلس الدستوري، ولم يقل إن قراراته غير ملزمة عموماً. لكنه خلص إلى أن التحفظ التفسيري الذي وضعه المجلس على قانون العفو العام لا يُلزم المحكمة في هذه القضية، إذ رأى أن هذا التحفظ تجاوز تفسير النص إلى توسيع الاستثناءات التي حدّدها المشرّع. وعلى هذا الأساس، اعتبر أن جرم إعطاء شهادة كاذبة مشمول بالعفو، فأسقط دعوى الحق العام وأبطل التعقبات، مع إبقاء دعوى الحق الشخصي قيد النظر. وأصدر القاضي بشير قراره في 29 تشرين الأول 2026، في دعوى مباشرة أقامها إلياس فاخوري بحق الطبيب الشرعي ريمون خزاقة، بجرم إعطاء شهادة كاذبة المنصوص عليه في المادة 466 من قانون العقوبات. وقد قبل الدفع الشكلي الذي تقدّم به خزاقة، معلناً سقوط دعوى الحق العام بموجب قانون العفو العام رقم 70/2026. وتتصل أهمية القرار بالخلاف حول تفسير البند الثامن من المادة الثانية في قانون العفو، الذي يستثني من العفو جرائم التزوير وتقليد النقد الوطني والأجنبي وترويجه والنيل من مكانة الدولة المالية، إلى جانب جرائم أخرى. فهل تعني عبارة «جرائم التزوير» جميع جرائم التزوير الواردة في قانون العقوبات، أم تقتصر على تزوير النقد والجرائم المالية المرتبطة به؟ المجلس الدستوري، في قراره رقم 12/2026 الصادر في 12 تشرين الأول، اعتبر أن الاستثناء يشمل جميع جرائم التزوير المنصوص عليها في قانون العقوبات. أما القاضي بشير فرأى أن سياق النص يربط عبارة التزوير بتقليد النقد والجرائم المالية المذكورة معها، وأن الاستثناء لا يشمل كل جريمة يرد وصفها ضمن باب التزوير. وبناءً على ذلك، اعتبر أن إعطاء شهادة كاذبة، رغم وروده في هذا الباب، لا يندرج ضمن الاستثناءات من العفو. ولشرح موقفه من حجية قرارات المجلس الدستوري، بدأ القاضي بالتأكيد أن إلزاميتها ليست موضع خلاف، مستنداً إلى المادة 13 من قانون إنشاء المجلس الدستوري، التي تنص على أن قراراته تتمتع بقوة القضية المحكمة وتلزم السلطات العامة والمراجع القضائية والإدارية. وجاء في القرار: «إنّ إلزامية قرارات المجلس الدستوري الصادرة نتيجة البتّ بطعن مقدّم إليه بدستورية قانون ما، هو أمرٌ غير منازع فيه على الإطلاق وليس موضع خلاف». لكن القاضي ميّز بين قرار يصدر عن المجلس بإبطال قانون أو ردّ الطعن فيه، وبين «تحفظ تفسيري» يربط دستورية القانون باعتماد تفسير محدد. واعتبر أن هذا التحفظ يكون ملزماً عندما يختار بين معانٍ محتملة للنص لإبعاده عن مخالفة الدستور، لكنه لا يكون كذلك إذا تجاوز التفسير إلى توسيع القانون وتعديل إرادة المشرّع. وفي هذا السياق، ورد في القرار أن السؤال لا يتعلق بمدى إلزامية كل تحفظ تفسيري، بل بالحالة التي يؤدي فيها التحفظ إلى «تعديل إرادة المشرّع بتوسيع نطاق تطبيق القانون». ورأى القاضي أن التحفظ المتصل بالبند الثامن أضاف جرائم التزوير عموماً إلى الجرائم المستثناة من العفو، بعدما اعتبر أن النص الأصلي حصر الاستثناء بجرائم تزوير النقد وما يرتبط بها. وشدّد القرار على أن هذا البحث لا يعني إخضاع قرارات المجلس الدستوري لرقابة المحاكم الجزائية أو إبطالها. فقد أشار القاضي إلى أن قضاة المحاكم العدلية لا يمارسون رقابة على قرارات المجلس ومدى تجاوزه لصلاحياته، لكنه رأى أن للمحكمة أن تبحث في مدى إلزامية التحفظ التفسيري عند تطبيق قانون العفو على الدعوى المعروضة أمامها. وعرض القاضي مسارين للتعامل مع التحفظ التفسيري، ورأى أن كليهما يقود إلى النتيجة نفسها. فإما اعتباره غير ملزم عندما يؤدي إلى تعديل إرادة المشرّع وتوسيع الاستثناءات، أو اعتباره جزءاً من النص القانوني، مع بقاء تفسير هذا النص وتطبيقه على القضية من صلاحية المحكمة الجزائية. وفي تطبيق ذلك على دعوى خزاقة، اعتبر القاضي أن الجرم المنصوص عليه في المادة 466 من قانون العقوبات، وإن كان وارداً ضمن باب التزوير، «غير مشمول بالاستثناءات الواردة في المادة الثانية من قانون العفو العام، بل بنصّ المادة الأولى منه»، باعتبار أن الفعل المنسوب إليه يعود إلى ما قبل الأول من آذار 2026، وهو التاريخ الذي حدده القانون للاستفادة من العفو. وانتهى القرار إلى «قبول الدفع الشكلي المقدّم من المدعى عليه السيد ريمون خزاقة شكلاً وأساساً، وإعلان سقوط الدعوى العامة بمفعول قانون العفو العام، وبالتالي إبطال التعقبات المساقَة بحق المدعى عليه المذكور». وفي المقابل، قرر م