أكثر من 43 مليار دولار من الأضرار، وأكثر من 56 مليون شخص متضرّر. هذه حصيلة الكوارث الطبيعية والمناخية وغيرها من الأخطار التي شملها تقييم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في 14 دولة عربية تتلقى مساعدات إنمائية، خلال الفترة بين 2020 و2024. لكن الرقم الأكثر إثارة للقلق لا يتعلق بحجم الخسائر وحده، بل بقدرة السكان والحكومات على تحمّلها. ففي جزء كبير من العالم العربي، تأتي الكارثة أولاً، ثم يبدأ البحث عن الأموال لإعادة الإعمار والتعويض. وقبيل مؤتمر المناخ «COP31»، يبرز سؤال اقتصادي واجتماعي ملحّ: هل تستطيع المنطقة مواصلة مواجهة الفيضانات والجفاف والعواصف من دون أنظمة تأمين وتمويل مسبق للكوارث؟ لماذا يهمّنا الأمر؟ لأن ضعف التأمين يعني أن خسارة منزل أو محصول زراعي قد تتحول إلى أزمة معيشية طويلة، وأن الحكومة قد تضطر إلى اقتطاع أموال من التعليم والصحة والبنية التحتية لتمويل الإغاثة. في تقرير أصدره بتاريخ 26 شباط/فبراير 2026، كشف برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن متوسط انتشار التأمين، مقاساً بحجم الأقساط نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي، يبقى دون 3% في الدول الأربع عشرة المدروسة. ويشير التقرير إلى أن سوق التأمين تهيمن عليها منتجات مثل التأمين الإلزامي على السيارات، فيما تظل حماية المزارعين والعاملين غير النظاميين والشركات الصغيرة محدودة. وتكشف بياناته أن الكوارث التي شملها التقييم أثرت في نحو 56.6 مليون شخص، وتسببت بأضرار مقدّرة بنحو 43.25 مليار دولار بين عامي 2020 و2024. وتشمل هذه الحصيلة أخطاراً متعددة، بينها الزلازل والكوارث الصناعية، ولذلك لا يجوز نسبتها كلها إلى التغير المناخي. لكنها تكشف حجم الفجوة المالية التي تواجهها الدول عند وقوع صدمة كبرى. ويورد التقرير تغطية تأمينية بنحو 500 مليون دولار لأضرار عواصف في ليبيا و300 مليون دولار لأضرار زلازل في المغرب، ما يوضح محدودية الحماية المسجّلة إزاء حجم الأضرار الأوسع. ولا تعني هذه الأرقام حصر جميع التعويضات التأمينية في المنطقة، لكنها تكشف أن التأمين ضد الكوارث لا يزال بعيداً عن تلبية الاحتياجات. ليست المشكلة في غياب شركات التأمين وحدها. فارتفاع الأقساط مقارنة بالدخل، وضعف الثقة بالمؤسسات المالية، وانتشار الاقتصاد غير المنظّم، كلها عوامل تحدّ من قدرة الأفراد على شراء الحماية. وفي بعض البلدان، تضيف الحروب والأزمات النقدية والمصرفية عقبات جديدة، إذ يصبح من الصعب على شركات التأمين تسعير الأخطار أو ضمان الوفاء بالتعويضات. كما يشير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى تأثير الاعتبارات الثقافية والدينية في الطلب على منتجات التأمين التقليدية، وهو ما يفسّر جانباً من أهمية التأمين التكافلي القائم على التعاون وتقاسم الأخطار. لكن هناك مشكلة أخرى أكثر تعقيداً: كيف يمكن تأمين خطر يتحول تدريجياً إلى ظاهرة متكررة؟ فإذا كانت منطقة زراعية تتعرض للجفاف بصورة شبه سنوية، أو كانت مدينة ساحلية تواجه فيضانات متزايدة، فقد ترتفع أقساط التأمين إلى مستويات يصعب تحمّلها، أو تصبح بعض الأخطار غير قابلة للتغطية تجارياً بشروط معقولة. المغرب ولبنان... تجربتان متباعدتان يبرز المغرب في التقرير الأممي بوصفه نموذجاً أكثر تقدماً في تمويل مخاطر الكوارث. فقد طوّر مزيجاً من الأدوات العامة والخاصة، يشمل صندوق تضامن للفئات غير المؤمّنة، وترتيبات لإعادة التأمين، وأدوات تمويل مرتبطة بوقوع الكوارث. وتتيح هذه المقاربة توفير سيولة أسرع عند وقوع الصدمة، بدلاً من الاعتماد الكامل على موازنات الطوارئ. أما لبنان، فيواجه وضعاً مختلفاً. فالأزمة الاقتصادية وضعف الموارد العامة والاعتماد على المساعدات الخارجية تحدّ من القدرة على بناء منظومة متكاملة لإدارة الأخطار. ولا يقتصر التحدي اللبناني على التعويض بعد الكارثة، بل يشمل غياب التمويل الكافي للتخطيط المسبق، وتطوير قواعد البيانات، وتعزيز الإنذار المبكر. ويشير البرنامج الأممي إلى أن ضعف التنسيق بين المؤسسات الحكومية أحد العوائق المتكررة أمام بناء أنظمة فعّالة لتمويل الكوارث في الدول المدروسة. التأمين التكافلي... هل يملأ الفراغ؟ أحد الحلول المطروحة يتمثل في توسيع التأمين الأصغر والتكافلي، وخصوصاً لدى المزارعين والمشروعات المتناهية الصغر. ويتيح التأمين القائم على المؤشرات المناخية، مثلاً، دفع تعويضات عند تجاوز مستوى محدد من الجفاف أو انخفاض الأمطار، من دون الحاجة إلى تقدير أضرار كل مزرعة بصورة منفصلة. لكن هذا النوع يحمل مخاطره أيضاً، فقد يتعرض مزارع لخسائر فعلية من دون أن يتحقق المؤشر المحدد في العقد. وتبرز كذلك فكرة تجميع مخاطر الكوارث إقليمياً، بحيث تتشارك مجموعة دول في أداة تأمينية أو مالية لتخفيف أثر الصدمات الكبيرة. غير أن التأمين ليس بديلاً من البنية التحتية الآمنة أو التخطيط