قبل أقل من شهرين على انتهاء ولاية قوة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان "اليونيفيل"، تكتسب التطورات العسكرية والديبلوماسية الأخيرة أهمية إضافية في تحديد مستقبل الحضور الدولي في الجنوب. فاستمرار العمليات الإسرائيلية رغم تفاهمات واشنطن، يدفع عواصم أوروبية إلى البحث عن صيغة تضمن استمرار الحضور الدولي، وسط خلافات على طبيعة القوة البديلة ومهماتها، فيما أكدت المانيا رغبتها في الابقاء على وجودها البحري.وتكشف التطورات الميدانية هشاشة الترتيبات الأمنية؛ فالقصف الإسرائيلي مستمر رغم اجتماعات تامبا العسكرية في 20 و 21 تشرين الأول، والتي لم تحقق تقدماً . ولا يزال الانسحاب الإسرائيلي وآليات انتشار الجيش اللبناني ومستقبل الترتيبات الأمنية موضع خلاف.لم يعد السؤال مقتصراً على مصير "اليونيفيل"، بل يشمل طبيعة المنظومة التي يمكن أن تحل مكانها وقدرتها على منع مواجهة جديدة، فيما ستعقد اجتماعات في مجلس الامن خلال الشهر الجاري بشأن تنفيذ القرار الدولي 1701 وتحديد الجهة التي ستتولى مراقبة تنفيذ القرار.ويشكل تصريح وزير الدولة البرلماني الألماني لشؤون الدفاع، نيلز شميد، في الثالث من تشرين الثاني، تطوراً لافتاً. فقد أكد أن برلين ترغب في الإبقاء على وجود لها في لبنان بعد انتهاء ولاية "اليونيفيل"، لمواصلة تدريب البحرية اللبنانية ومساعدتها. لكن ألمانيا لا تعتزم إرسال قوات برية، على أن يظل حضورها في الإطار البحري أساساً.ويأتي ذلك بعد إعلان وزير الدفاع الإيطالي غويدو كروزيتو أن روما تعمل على مبادرة لإنشاء مهمة دولية جديدة تتولى بعض مهمات "اليونيفيل"، لكنه أقر أن تنفيذها يحتاج إلى موافقة الولايات المتحدة. وتعكس هذه المواقف رغبة أوروبية في تجنب الانسحاب، لكنها لا تعني اتفاقاً على حجم القوة المقبلة وصلاحياتها أو ضمان توافق دولي عليها.وحذر وكيل الأمين العام لعمليات السلام جان بيار لاكروا من فراغ قد يطاول مراقبة "الخط الأزرق"، والإبلاغ عن الخروق، والاتصال بين الجيشين، ومواكبة المساعدات الإنسانية.وتبقى العقدة الأساسية في مجلس الأمن، حيث تحتاج أي مهمة أممية جديدة إلى توافق أعضائه، فيما تملك واشنطن حق النقض. وأقر الاتحاد الأوروبي في 12 تشرين الأول مهمة مدنية وعسكرية لدعم المؤسسات الأمنية اللبنانية لمدة أولية تبلغ ثلاث سنوات وتقدم المشورة والتدريب للجيش وقوى الأمن الداخلي، خصوصاً في مراقبة الحدود ومكافحة التهريب.لكن هذه المهمة لا تشكل بديلاً من "اليونيفيل"، إذ لا تتضمن صلاحيات الانتشار الميداني والمراقبة على "الخط الأزرق" أو القيام بدور قوة الفصل بين الجيشين. وهكذا يبرز مساران: دعم المؤسسات اللبنانية، ومبادرة باريس وروما للبحث في قوة متعددة الجنسية. وقد يتكاملان، لكنهما لم يتحولا إلى مشروع موحد.هل تدفع المواجهات واشنطن وإسرائيل إلى مراجعة موقفيهما؟قد يغير التصعيد الحسابات الأميركية والإسرائيلية، من دون أن يقربها بالضرورة من الموقف اللبناني. فإسرائيل تشكك في فاعلية "اليونيفيل"، ولا ترغب في قيام قوة دولية جديدة تكرر، وفق رؤيتها، محدودية صلاحيات القوة الحالية. وهي تفضل ترتيبات تجعل الجيش اللبناني مسؤولاً مباشرة عن الأمن في الجنوب، مع احتفاظها بحرية التحرك العسكري لمواجهة ما تعتبره تهديدات من الأراضي اللبنانية.أما واشنطن فتريد أن تتولى الدولة مسؤولية الأمن، لكنها تدرك أن غياب الحضور الدولي قد يصعّب مراقبة الخروق واحتواء التصعيد. ومن هنا، فإن تجدد القتال قد يعزز المطالب الأوروبية بإنشاء قوة دولية، وربما يدفع الإدارة الأميركية إلى إعادة النظر في بعض تحفظاتها، من دون أن يعني ذلك موافقتها على إنشاء "يونيفيل" جديدة تحت تسمية مختلفة.ويظل العامل الإيراني مؤثراً؛ فمواجهة مباشرة بين واشنطن وطهران، مع انخراط "حزب الله" فيها، قد تضع الملف اللبناني في سياق إقليمي يهمّش البحث في مستقبل القوة الدولية.المفارقة أن استمرار التصعيد يجعل الحاجة إلى حضور دولي أكثر إلحاحاً، في وقت تزيد فيه الخلافات السياسية صعوبة التوصل إلى اتفاق. وبين الرغبة الأوروبية في منع الفراغ الأمني والتحفظات الأميركية والإسرائيلية، يجد لبنان نفسه أمام احتمال دخول مرحلة ما بعد "اليونيفيل" من دون تسوية أمنية مسبقة.فالمعضلة الحقيقية ليست من سيخلف "اليونيفيل"، بل أي ضمانات دولية سترافق استعادة الدولة اللبنانية سلطتها على الجنوب. ومن دون انسحاب إسرائيلي واضح، وتعزيز قدرات الجيش، واتفاق على آلية دولية مقبولة، قد يتحول انتهاء مهمة القوة الدولية من محطة لإعادة تنظيم الأمن إلى مصدر جديد لعدم الاستقرار.