بين حروب الآخرين وتسوياتهم... هل يستعيد لبنان قراره قبل أن يُقرَّر مصيره؟ في عالم تتسارع فيه التحوّلات السياسية والعسكرية، وتُعاد فيه صياغة التوازنات الإقليمية والدولية على وقع الحروب والمفاوضات والتسويات، يجد لبنان نفسه مجدداً أمام مفترق مصيري يتجاوز حدود أزماته الداخلية. فمن واشنطن، حيث أعادت الانتخابات النصفية رسم موازين القوى داخل الكونغرس الأميركي، إلى طهران التي تنوء تحت تداعيات حربها مع الولايات المتحدة، مروراً بسوريا التي تسعى إلى إعادة بناء علاقاتها الإقليمية واستعادة دورها في المنطقة، واليمن الذي لا يزال إحدى ساحات الصراع الأساسية، وصولاً إلى الجنوب اللبناني، تتلاحق التطورات وتتشابك تداعياتها، لتضع اللبنانيين أمام سؤال يتقدّم على سائر الأسئلة: هل يستطيع لبنان أن يكون دولة مستقلة تقرّر مصيرها، أم سيبقى ساحة مفتوحة لصراعات لا يملك قرار المشاركة فيها ولا القدرة على التحكّم بنتائجها؟ قد تبدو هذه التطورات، للوهلة الأولى، ملفات متباعدة جغرافياً وسياسياً، لكل منها ظروفها وأسبابها وحساباتها الخاصة. غير أن قراءتها في سياق واحد تكشف عن خيط سياسي واستراتيجي يربط بينها جميعاً، ويتمثّل في موقع لبنان من التحوّلات الجارية، وفي قدرته على التعامل معها انطلاقاً من مصالحه الوطنية، لا من موقع المتلقّي لنتائجها. وهنا تحديداً تبرز المعضلة اللبنانية المزمنة: دولة تمتلك مؤسسات دستورية وشرعية، لكنها لا تزال تتقاسم القرار الفعلي في مسائل أساسية تتعلق بالأمن والحرب والسلم والعلاقات الخارجية مع مراكز قوى تمتلك قدرات عسكرية وأمنية خارج هذه المؤسسات وتسلم كامل ولائها وقرارها لإيران لتضع لبنان ورقة بيدها ورهينة مصالحها. ومن هذا المنطلق، لا يمكن فهم ما يجري في لبنان بمعزل عن التحوّلات الدولية، كما لا يجوز اختزال مستقبل لبنان بما ستؤول إليه تلك التحوّلات. فالمسألة ليست فقط في معرفة الاتجاه الذي تسلكه المنطقة، بل في تحديد ما إذا كانت الدولة اللبنانية ستبقى تنتظر استقرار موازين القوى من حولها، أم ستبادر إلى استعادة دورها في تقرير مصير البلاد. من واشنطن إلى طهران: هل تتغيّر السياسات بتغيّر الأكثريات؟ شكّلت الانتخابات النصفية الأميركية في الثالث من تشرين الثاني محطة مفصلية في الولاية الرئاسية الثانية لدونالد ترامب، بعدما تمكّن الحزب الديمقراطي من انتزاع الأكثرية في مجلسَي النواب والشيوخ، في نتيجة عكست استياءً شعبياً أميركياً من جملة ملفات داخلية وخارجية، وفي مقدّمها التداعيات الاقتصادية للحرب مع إيران. غير أن أهمية هذه النتائج بالنسبة إلى لبنان لا تكمن في التبدّل الذي أحدثته داخل المؤسسات الأميركية فحسب، بل في الطريقة التي تُقرأ بها انعكاساتها على الشرق الأوسط، وخصوصاً لدى القوى التي تربط حساباتها السياسية بموازين القوى بين واشنطن وطهران. فهنا يصبح التمييز ضرورياً بين الوقائع والأمنيات، وبين ما تغيّر فعلياً في النظام السياسي الأميركي وما يرغب البعض في أن يكون قد تغيّر. فالانتخابات النصفية لم تُنهِ ولاية ترامب، ولم تنقل صلاحيات السياسة الخارجية إلى الحزب الديمقراطي، ولم تُلغِ قدرة الرئيس الأميركي على إدارة العلاقات الدولية واتخاذ القرارات المتعلقة بالأمن القومي، وإن كانت قد منحت الكونغرس الجديد أدوات أوسع للرقابة والمساءلة والتأثير في التمويل والتشريع. والأهم أن الاختلافات بين الإدارات الأميركية المتعاقبة في مقاربة الملف الإيراني لا تعني بالضرورة اختلافاً جذرياً في جميع الأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة في المنطقة. فقد اختلفت إدارة باراك أوباما عن إدارة ترامب في التعامل مع البرنامج النووي الإيراني، كما اختلفت إدارة جو بايدن عن سابقتها في الأدوات الدبلوماسية، لكن العقوبات على حزب الله والاهتمام بأمن إسرائيل والاستقرار الإقليمي ظلّت عناصر حاضرة، بدرجات وأشكال متفاوتة، في السياسة الأميركية. وبالتالي، فإن الاعتقاد بأن خسارة ترامب الأكثرية في الكونغرس ستؤدي تلقائياً إلى انقلاب في المعادلات العسكرية والسياسية في لبنان والمنطقة يتجاهل طبيعة النظام الأميركي وتعقيدات صناعة القرار فيه، كما يتجاهل أن السياسات الخارجية للدول الكبرى لا تتبدّل بالضرورة بالسرعة نفسها التي تتبدّل فيها الأكثريات البرلمانية. لكن الأهم من ذلك كله أن هذا النقاش يكشف مشكلة أعمق في مقاربة الشأن اللبناني. فهل يُعقل أن يبقى مستقبل لبنان معلّقاً على نتائج الانتخابات الأميركية؟ وهل يجوز أن يستمر أركان السلطة الشرعية في انتظار تبدّل التوازنات في واشنطن أو طهران أو سواهما، بدلاً من التحرّك انطلاقاً من التوازنات السياسية داخل المؤسسات الدستورية، ومن الإرادة الشعبية اللبنانية، ومن المصلحة الوطنية العليا؟ إن الدولة التي تنتظر تغيّر الأكثرية في واشنطن كي تعرف حدود سيادتها، أو تبدّل الح