خيم الصمت على أجواء الشرق الأوسط، واشرأبّت الأعناق لاستشراف اللحظة التالية بعد انتهاء فرز أصوات الناخبين في الانتخابات النصفية الأميركية، فالجميع يتلمّس ذلك الحبل المشدود بين حرب توشك أن تندلع ضد إيران، وبين صناديق توشك أن تبوح باتجاهات تصويت الأميركيين في انتخابات قد يتقرر بعدها مصير المنطقة، حرب..أو لا حرب؟! كان الرئيس الأميركي ترامب هو أول من أقام هذا الرابط بين الحرب وبين صندوق الانتخابات، حين أعلن أن القرار ينتظر اليوم التالي للانتخابات النصفية. هل كان واثقاً من الفوز بالانتخابات، غير مقدّر -كعادته- لاحتمالات الخسارة؟! أم أنه قد اتخذ قرار الذهاب الى الحرب مهما كانت نتائج الانتخابات؟!.. أم ترى أنه كان يفتش عن مخرج من مأزق الحرب يعفيه من استحقاقات استكمالها؟! أغلب الظن أن الرئيس ترامب لم يكن راغباً باستئناف الحرب ضد إيران، وأنه كان يفتش عن ثغرة للخروج دون جروح أو تقرحات، ولعل هذا يفسر الضربة الأميركية المحدودة على جزيرة قشم الإيرانية عشية الانتخابات النصفية، فالرجل يريد الظهور بمظهر صاحب الضربة الأخيرة، قبل إعلان إنتهاء الحرب بانتصار أميركي رمزي، يتيح لترامب الادعاء بالنصر ومطالبة شعبه باستحقاقات هذا النصر،في صناديق الانتخاب. لكن أحداً لم يلتفت لضربة قشم وسط صخب هائل لحملة انتخابات مصيرية، كما أن أداء فريق ترامب في الانتخابات بدا بالغ السوء مع نتائج جرى بها نزع الريش من أجنحة النسرالأميركي الأقرع، فلم يعد بوسعه التحليق أبعد من عشه القريب. ها نحن قد وطأنا بأقدامنا عتبات اليوم الأميركي التالي للانتخابات النصفية، وها قد اعترف ترامب -عكس المتوقع منه- بإنتصار خصومه في الانتخابات النصفية، فما هي توابع الاعتراف بالهزيمة؟! وما هي استحقاقات الظرف؟! طوال الوقت كان ترامب يريد انتصاراً مجانياً في الحرب على إيران، بمعنى استسلام إيراني دون حرب فعلية، لكنه لم يقترب من هدفه في أي وقت. هل نشهد تصعيداً أميركياً لفظياً باتجاه الحرب، بقصد تجنبها؟ أم يكتفي ترامب بضربة واحدة تلفزيونية بقصد تحسين الصورة؟ وهل تقبل إيران بذلك؟ و ماذا لو رفضت إيران دور المهزوم في تمثيلية حروب ترامب؟ هل ينسحب ترامب بداعي الحكمة وإنقاذ العالم؟ أم يذهب الى حرب خارج سياقات سيناريو كتبه هو؟ عشرات الأسئلة تطرحها أو تعيد طرحها نتائج الانتخابات النصفية الأميركية، لكنها لا تقدم إجابات عنها ولا ترجح خيارات بشأنها. طهران قد تكون أسعد الناس بنتائج الانتخابات الأميركية، فالرئيس الأميركي لم يعد مطلق اليد في قرار الحرب بلا حدود ولا قيود، صحيح أن مفعول نتائج الانتخابات لن يسري قبل كانون الثاني/ يناير المقبل، حين يتسلم النواب والشيوخ مقاعدهم الجديدة، ويباشرون صلاحياتهم في مراقبة أداء الرئيس، وتقييد سلطاته بشأن الحرب، لكن الصحيح أيضاً أن الرئيس الذي اعتاد العمل مطلق اليد وتعهد باستخدام الفيتو الرئاسي كلما عنّ له هذا، لن يتوانى عن تحدي الكونغرس وشلّ إرادته كلما أمكن له ذلك. حلفاء ترامب في المنطقة، اعتادوا التعامل معه باعتباره زعيم مطلق اليد، لا يمكن التعقيب على قراراته ولا تجاهل رغباته، وهم قد سددوا فواتير باهظة مقابل ذلك، وقد حان الوقت وتهيّأ الظرف لمراجعة تلك السياسة، والتعامل مع ما تبقى من ترامب زمناً وسلطة، باعتباره عارض لا مقيم، وباعتبار أن الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد ايران، كانت نتيجة قراءة خاطئة للظرف الإقليمي، تستحق مراجعة في العمق، للنظام الاقليمي القائم، وتتطلب رؤية أمنية جديدة تتشارك فيها وتقودها قوى الفعل في الإقليم. تائج الانتخابات النصفية الأميركية، تخبرنا ان أميركا تغيرت، وأن أغلب ما استحدثه ترامب في العلاقات الدولية، خلال فترتي حكمه، هو مجموعة عوارض سوف تزول بزوال من أنتجوها، بما في ذلك حربه على غزة، وحربه على إيران بكل توابعها على الإقليم. لا أتوقع حرباً كبرى على إيران، لكنني أتوقع تكثيف مشهد الحرب في أوكرانيا، أما انعكاسات التغيير في أميركا على منطقتنا، فقد يعود معها التركيز الأميركي المعتاد في ملف الديمقراطية وحقوق الانسان دون إرادة تغيير حقيقية. عودة الديموقراطيين المظفرة الى مجلسي الكونغرس، سوف تترك أثارها حتماً على دول المنطقة وعلى قضاياها، لكن مقدار التأثير الأميركي على أحوال المنطقة يظل رهناً بقدرتها على استيعاب المستجدات والتعايش بأقل الخسائر مع ما لا يمكن تحديه الآن منها. المنطقة غير مهيأة بعد لصدام كبير آتٍ، ولا بديل عن نظام اقليمي جديد يستوعب ما أفرزته حروب الأربعين عاماً منذ غزو الكويت في 1990 وحتى الآن.