فتح قرار مصرف لبنان تعليق التغطيات الطبية لموظفيه وعائلاتهم في مستشفى الرسول الأعظم والمركز الطبي اللبناني (LMC)، المحسوبين على "حزب الله"، باب التساؤلات حول خلفيات هذه الخطوة وأبعادها المالية والاقتصادية، وما إذا كانت تندرج في إطار إجراءات إدارية اعتيادية، أم تؤشر إلى تشدد متزايد في تطبيق العقوبات الدولية على المؤسسات المرتبطة بالحزب. وكانت الوحدة الطبية في مصرف لبنان قد عمّمت قراراً يقضي بوقف الموافقات والتغطيات الطبية في المؤسستين، على أن يتحمّل الموظفون الراغبون في تلقي العلاج فيهما النفقات المترتبة عليهم. وفيما أكدت مصادر المصرف أن الإجراء يندرج ضمن التزامه القوانين والمحظورات الدولية، ولا يحمل أي أبعاد سياسية، أثار القرار تساؤلات حول انعكاساته المحتملة على القطاع الصحي، وإمكان تمدّده إلى مؤسسات أخرى، في ظل الضغوط الدولية المتزايدة لتعزيز الرقابة المالية ومكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب. فهل يشكّل هذا التدبير خطوة احترازية محدودة، أم أنه يعكس توجهاً أوسع قد يغيّر قواعد التعامل المالي مع المؤسسات المرتبطة بـ"حزب الله"؟ يرى الخبير الاقتصادي وليد أبو سليمان أن قرار مصرف لبنان يتجاوز كونه إجراءً إدارياً يتعلق بالتغطية الصحية لموظفيه، إذ يعكس توجهاً نحو تشديد سياسات الامتثال (Compliance) وتطبيق متطلبات العقوبات الدولية على تعاملات المصرف نفسه، وليس فقط على المؤسسات الخاضعة لرقابته. ويوضح أن المصارف المركزية والمؤسسات المالية لا تكتفي بالامتناع عن التعامل المباشر مع الجهات المدرجة على لوائح العقوبات، بل يتعين عليها تقييم مخاطر التعامل غير المباشر، بما يشمل العلاقات التجارية والمصرفية والجهات المستفيدة ومصادر الأموال ومسارات التحويلات. وهذا ما يُعرف بمبدأ العناية الواجبة المعززة (Enhanced Due Diligence)، الهادف إلى الحد من مخاطر العقوبات ومخالفات الامتثال. ويربط أبو سليمان في حديثه الى "ليبانون ديبايت" توقيت القرار بالمناخ المتشدّد في ملف العقوبات والرقابة المالية على لبنان، والحاجة إلى حماية علاقات مصرف لبنان والقطاع المالي بالمؤسسات الدولية والمصارف المراسلة. ويتزامن ذلك مع تطورات مرتبطة ببنك صادرات الإيراني، بعدما تحدثت تقارير صحافية عن إلغاء مصرف لبنان ترخيصه المحلي في تشرين الأول 2026. لكنه يشدد على ضرورة التمييز بين تشديد بيئة العقوبات والامتثال، وبين صدور عقوبات أميركية جديدة تستهدف المستشفيين المعنيين تحديداً، إذ لا يمكن الجزم بذلك من دون إعلان رسمي أو معطيات موثقة، معتبراً أن الرسالة الأساسية للقرار تكمن في سعي مصرف لبنان إلى تطبيق معايير الامتثال على نفسه بالدرجة ذاتها التي يطالب بها المؤسسات الخاضعة لإشرافه، في مرحلة يسعى فيها لبنان إلى استعادة الثقة الخارجية بقطاعه المالي. لا يستبعد أبو سليمان امتداد إجراءات الامتثال إلى قطاعات أخرى، تشمل شركات التأمين والمؤسسات الصحية وشركات تحويل الأموال والصرافة والجهات التجارية والجمعيات والمؤسسات غير الربحية، فضلاً عن الموردين والمتعهدين. لكنه يوضح أن هذا التوسع ليس تلقائياً، بل يتوقف على طبيعة كل حالة، والجهة التي أصدرت العقوبات ونطاقها القانوني ومدى ارتباط المؤسسات المعنية بالجهات المستهدفة. ويحذر من ظاهرة "الإفراط في الامتثال" (Over-Compliance)، حيث قد تتجنب المصارف وشركات التأمين والمؤسسات التجارية التعامل مع جهات لا تخضع بالضرورة لعقوبات مباشرة، خشية المخاطر القانونية والمالية والإضرار بسمعتها. هناك ثلاثة انعكاسات اقتصادية محتملة لهذا التشدّد، فوفق الخبير الاقتصادي، قد يكون أولها "ارتفاع كلفة المعاملات التجارية نتيجة زيادة متطلبات التدقيق والتحقق من الأطراف ومصادر الأموال. وثانيها تراجع قدرة بعض المؤسسات على الحصول على الخدمات المصرفية والتأمينية والتمويلية، بما يهدد استمرارية أعمالها. أما ثالثها، فيتمثل في احتمال اتساع الفجوة بين الاقتصاد النظامي والاقتصاد النقدي غير الرسمي، ما يضعف الشفافية والقدرة على تتبع التدفقات المالية ومكافحة الاقتصاد غير المشروع". ويشير أبو سليمان إلى أن "التداعيات قد تكون أكثر حساسية في القطاع الصحي، حيث يمكن أن تنعكس القيود على الدفع والتغطية التأمينية على المستشفيات والمرضى وشركات التأمين وموردي الأدوية والمعدات الطبية". وشدّد على ضرورة "تحقيق توازن بين الالتزام بالعقوبات الدولية وعدم فرض قيود غير مبررة على النشاط الاقتصادي والخدمات الأساسية"، على أن يستند تطبيق العقوبات إلى تقييم المخاطر والأدلة القانونية، لا إلى التصنيفات القطاعية أو الافتراضات العامة. حماية القطاع المالي أم تضييق اقتصادي؟ حماية القطاع المالي من العقوبات والتضييق الاقتصادي غير المباشر ليسا أمرين متناقضين بالضرورة، بل قد يتزامنان. فتشديد الامتثال برأي أبو سليمان