دخلت إسرائيل مرحلة جديدة من التعقيد السياسي، مع بدء الرئيس إسحاق هرتسوغ مشاورات تستمر يومين لتحديد الشخصية التي سيكلّفها بتشكيل الحكومة، في ظل غياب أغلبية حاسمة وتمسّك بنيامين نتنياهو بالبقاء في السلطة، وسط ترجيحات بتقدّم رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت في المشاورات، وتحذيرات من تداعيات التحوّلات السياسية في الولايات المتحدة على مستقبل إسرائيل. وكان هرتسوغ قد دعا الأحزاب إلى الإقرار بعدم وجود فائز في الانتخابات، في وقت تواجه فيه القوى السياسية خيارات صعبة، تتراوح بين تشكيل حكومة وحدة تعيد رسم التحالفات، والذهاب إلى انتخابات مبكرة في حال تعذّر التوصّل إلى اتفاق. وفي حديث إلى "سكاي نيوز عربية"، اعتبر الخبير في الشؤون الإسرائيلية أمير مخول أن آيزنكوت يحظى بأغلبية واضحة في المشاورات، إلا أن ترجمة هذا التأييد إلى حكومة تبقى مرهونة بالتفاهمات بين الأحزاب، ولا سيما في ظل إصرار نتنياهو على الاستمرار في الحكم. وأوضح مخول أن هرتسوغ يميل إلى تشكيل حكومة "وحدة قومية صهيونية" تجمع كتلة التغيير وحزب الليكود، من دون إيتمار بن غفير، وبعيدًا عن الاعتماد على الأحزاب العربية أو الحريديم، على أن تقوم على تحالف بين التيارات الصهيونية المركزية. وأشار إلى أن الرئيس الإسرائيلي لا يستطيع تجاوز مواقف الأحزاب ونتائج مشاوراتها، ما يعزّز احتمال مشاركة آيزنكوت في تشكيل الحكومة، من دون أن يعني ذلك حسم هوية الشخصية التي ستُكلّف بالمهمة، أو ضمان نجاحها في تأمين ائتلاف حكومي. لكن العقبة الأساسية، بحسب مخول، تتمثّل في إمكان التفاهم مع الليكود على إبعاد نتنياهو، في مقابل صعوبة الوثوق بالأخير شريكًا في أي تحالف. واعتبر أن دخول المعارضة في ائتلاف معه قد يشكّل "انتحارًا سياسيًا"، خصوصًا أن اليمين لا يزال يصطف خلفه رغم تعذّر الحسم الانتخابي. وفي موازاة أزمة تشكيل الحكومة، اتّهم مخول نتنياهو بمحاولة الاستئثار بالسلطة عبر وسائل وصفها بغير القانونية، مستشهدًا بالجدل الذي أثاره بشأن الأصوات العربية واتهام جهات خارجية، إلا أنه رأى أن هذا "البالون الإعلامي" بدأ يفقد تأثيره. واعتبر أن نتنياهو خسر معركتين انتخابيتين، الأولى في إسرائيل والثانية في الولايات المتحدة، مشيرًا إلى أن التحوّلات داخل مجلسَي الكونغرس الأميركي باتت تضيّق هامش رهانه على الدعم الأميركي. ولفت في هذا الإطار إلى تراجع تأثير منظمة "إيباك" وانخفاض التأييد لإسرائيل، مقابل صعود تيار أميركي أكثر انكفاءً وتقاربًا مع توجّهات نائب الرئيس جي دي فانس. وبحسب مخول، فإن هذه التطوّرات تزيد من صعوبة استمرار نتنياهو في الحكم، لكنها لا تعني استعداده للتنحّي، ما يُبقي عملية تشكيل الحكومة مرتبطة بالصراع على القيادة والتحالفات. ولا تقتصر التحديات التي تواجه المشهد السياسي الإسرائيلي على الانقسامات الداخلية، إذ أشار مخول إلى اتساع القناعة لدى الشباب الأميركي بأن الدعم المطلق لإسرائيل قد يضرّ بسمعة الولايات المتحدة، في مقابل اتّجاه الأجيال الإسرائيلية الشابة نحو مزيد من اليمينية المتطرّفة. وأوضح أن معاهد الأمن القومي ومراكز الأبحاث الإسرائيلية تنظر إلى هذا التباعد بوصفه خطرًا جوهريًا، وربما وجوديًا على المدى البعيد، في ظل تراجع مكانة إسرائيل إقليميًا، واحتمال تحوّل العلاقة معها إلى عبء على واشنطن. وشدّد على أن التحوّل في المواقف الأميركية لم يظهر بصورة مفاجئة، بل جاء نتيجة تراكمات امتدّت على سنوات، ما يرجّح استمراره، لافتًا إلى مخاوف إسرائيلية من أن تفرض واشنطن تسوية بعد انتخابات عام 2028، تشمل القضية الفلسطينية. واعتبر أن هذه الحسابات تعزّز رفض كتلة التغيير الدخول في تحالف حكومي مع نتنياهو، في ظل المخاوف من انعكاسات التحوّلات الأميركية على مستقبل العلاقة بين البلدين. أما في ما يتعلّق بالحرب مع إيران، فرأى مخول أن قرار اندلاعها قبل عامين كان أميركيًا بالدرجة الأولى، وليس قرارًا إسرائيليًا منفردًا، معتبرًا أن تجدّدها قد يحظى بشرعية داخل إسرائيل إذا أعلنت واشنطن مسؤوليتها عن القرار. في المقابل، أوضح أن توفير هذه الشرعية سيكون أكثر صعوبة في غياب قرار أميركي واضح، نظرًا إلى الكلفة المرتفعة للحرب وغموض تداعياتها. وشدّد على أن هذا الموقف لا يعكس تحوّلًا سلميًا داخل المجتمع الإسرائيلي، بل يرتبط بالأثمان المادية والمعنوية التي تكبّدتها الجبهة الداخلية، إلى حدّ تحوّل الحرب، وفق وصفه، إلى "كابوس" لم يمنح نتنياهو انتصارًا سياسيًا. وخلص مخول إلى أن التفوّق العسكري الإسرائيلي لم يُترجم إلى مكاسب سياسية، أو شعور أكبر بالأمان، كما لم ينعكس تحسّنًا على المستويين الاقتصادي والأمني. وفي ظل استمرار مشاورات تشكيل الحكومة، تبقى قدرة المعارضة على تحويل أغلبيتها في المشاورات إلى ائتلاف حكومي موضع اختبار، فيما يواصل نتنياهو تمسّكه