مرّ الحديث عن استعداد دمشق لإرسال مقاتلين إلى اليمن مرور الكرام في لبنان، على الرغم مرور أسابيع عليه، وبالرغم من أن مضمونه يتجاوز الساحة اليمنية إلى ما هو أبعد، وربما إلى الجغرافيا اللبنانية نفسها. صحيح أن نفياً سورياً صدر في أعقاب تداول تلك المعلومات، لكن النفي لم يكن كافياً لإسقاط الفرضية من أساسها، خصوصاً مع ظهور معطيات أخرى تتحدث عن شروط وضعتها دمشق للمضي في خطوة من هذا النوع. وبحسب هذه المعطيات، فإن النفي استهدف احتواء التداول الإعلامي أكثر مما استهدف أصل الفكرة، التي يشترط السوريون أن تحظى بغطاء شرعي وسياسي واضح. من هنا، يبرز سؤال لا يبدو أن الأوساط اللبنانية المعنية قد أغفلته: إذا كانت دمشق مستعدة لإرسال مقاتلين إلى اليمن، البعيد عن حدودها ومجالها الحيوي المباشر، فما الذي يمنعها من إرسال مقاتلين، أو تسهيل انتقال مجموعات مسلحة، إلى لبنان المجاور؟ لم يبقَ السؤال في إطار الافتراض النظري. فقد شغل مستويات أمنية وسياسية لبنانية، دفعت باتجاه الاستفسار عن حقيقة الاستعدادات السورية وحدودها. ووصلت الاستفسارات، في جانب منها، إلى دمشق نفسها، التي جاء ردّها سلبياً. لكن ذلك لم يبدّد تماماً الهواجس اللبنانية، ولا سيما أن التجربة اليمنية، إذا ما تحوّلت إلى واقع، قد تؤسس لنموذج جديد من التدخل العسكري السوري خارج الحدود. اليمن بوابة الدور العسكري السوري وفق ما فُهم في أوساط لبنانية متابعة، أبدت دمشق استعداداً مبدئياً للمشاركة في عمليات عسكرية ضد جماعة أنصار الله الحوثية في اليمن، لكنها لم تقرن استعدادها بالتزامات نهائية أو ضمانات واضحة، بل حاولت تحويله إلى ورقة تفاوضية للحصول على مكاسب سياسية واستراتيجية مقابله. ولم يكن المطروح، بالضرورة، إرسال وحدات من الجيش السوري الناشئ، الذي لا يزال في طور إعادة البناء، وإنما الاستعانة بمقاتلين من تشكيلات تدور في فلك السلطة الجديدة أو تتمتع بنفوذ عليها، بما يتيح لدمشق المشاركة من دون تحمّل الأعباء المباشرة لتدخل عسكري رسمي. وفي هذا السياق، ترددت معلومات عن زيارات وفود سورية إلى الرياض لمناقشة الفكرة وتفاصيلها وآليات تنفيذها. وقد جاء ذلك بعد زيارة مثيرة للجدل للرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع. وبحسب هذه المعلومات، لم يكن الاعتراض السوري على مبدأ المشاركة، بل على شروطها السياسية والقانونية. فقد طلبت دمشق أن تأتي أي خطوة من هذا النوع استجابة لطلب رسمي من دولة إلى أخرى، وضمن مظلة تحالفية عربية تمنحها المشروعية المطلوبة. ومن هنا، برز الحديث عن طلب رسمي سوري لإدخال دمشق في ترتيبات دفاعية إقليمية، بينها ما يُعرف باتفاق مكة الدفاعي، بما يوفّر الإطار السياسي والعسكري اللازم لمشاركة سورية محتملة. ومع أن الملف خرج، منذ فترة، من التداول الإعلامي بفعل تفاهم سوري–سعودي على ما يبدو، فإن المعطيات المتداولة تشير إلى أنه لم يُقفل فعلياً. فدمشق لا تزال تتعامل معه بوصفه فرصة للحصول على مكتسبات، في حين لا تبدو الرياض مستعجلة لتحويله إلى خطوة تنفيذية. وفي موازاة ذلك، ترددت معلومات عن إرسال دمشق بضع عشرات من المستشارين العسكريين إلى عدن، من أصحاب الخبرة في التعامل مع الطائرات المسيّرة، ومنها مسيّرات من طراز «شاهين»، لمساعدة القوات التابعة للحكومة اليمنية. وإذا صحّت هذه المعلومات، فإن الخطوة قد تشكّل اختباراً أولياً للتعاون العسكري، يسبق الانتقال إلى مستويات أكثر تقدماً. وهنا تحديداً، يصبح القلق اللبناني مشروعاً. دمشق في حسابات المواجهة مع إيران تكتسب هذه الاحتمالات أهمية إضافية في ظل المناخ الحربي الذي يخيّم على المنطقة، والتبدّل الذي طرأ على موقع سوريا في الاصطفافات الإقليمية. فمع المواقف الأخيرة المنسوبة إلى المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، بشأن الرد على التهديدات من دون قيود جغرافية. وتحذيره من اتساع الحرب إذا تكررت الهجمات الأميركية على إيران، والذهاب إلى المستوى الأقصى، برز احتمال توسيع النطاق الجغرافي للرد العسكري الإيراني في حال تعرّض طهران لعدوان جديد، وقد بدأت دمشق تتعامل مع نفسها بوصفها واحدة من الدول التي قد تصبح عرضة للاستهداف، حتى من دون أن تكون قد أعلنت رسمياً انخراطها في أي مواجهة. وليس هذا القلق منفصلاً عن مرحلة سابقة، حين جرى تحييد الأراضي السورية عن دائرة الرد الإيراني، بفعل اعتبارات تتصل بحزب الله في لبنان وبالدور التركي في سوريا. يومها، كانت المقاربة الإيرانية مختلفة، وكانت دمشق لا تزال خارجة من مرحلة سقوط نظام الأسد، وغير مؤهلة للانخراط في مغامرة إقليمية جديدة. وتشير معطيات متداولة إلى أن طهران كانت انذاك قد وجّهت تحذيرات إلى دمشق من الانخراط في أي مشروع عسكري ضدها، أو تقديم خدمات أمنية وعسكرية للدول التي قد تشارك في مهاجمتها. وبحسب هذه المعطيات، ساهمت الضمانات التركية في إبقاء دمشق خارج ا