في تقرير إسرائيلي يحمل مؤشرات تصعيدية لافتة، كشفت صحيفة "يديعوت أحرونوت"، أن تجربة تسليم المسؤولية الأمنية إلى الجيش اللبناني في ثلاث بلدات جنوبية انتهت، وفق التقييم الإسرائيلي، إلى نتائج مخيبة للآمال، وسط اتهامات بعودة حزب الله تدريجياً إلى المناطق التي أخلاها الجيش الإسرائيلي، وتحذيرات من احتمال العودة إلى عمليات عسكرية أكثر كثافة في الجنوب. وبحسب التقرير الذي أعدّه الصحافي أليشع بن كيمون، فإن أكثر من مئة يوم مرّت على بدء التجربة، من دون أن ينجح الجيش اللبناني، وفق الرواية الإسرائيلية، في تحقيق الأهداف المنتظرة، ولا سيما تفكيك البنى التابعة لحزب الله ومنع عودته إلى القرى التي انسحبت منها القوات الإسرائيلية. ويشير التقرير إلى أن بلدة زوطر الغربية، حيث بدأ تطبيق الترتيبات أواخر تموز الماضي، تحوّلت إلى نموذج لما تصفه إسرائيل بفشل التجربة. واستند في ذلك إلى توثيقات جمعها مركز "ألما" الإسرائيلي، تُظهر عودة مؤسسات مدنية مرتبطة بحزب الله، بينها الهيئة الصحية الإسلامية وجمعية "وتعاونوا"، إلى تقديم الخدمات والمساعدات للسكان. ويزعم التقرير أن عودة هذه المؤسسات لا تقتصر على العمل الإنساني، بل تتيح لحزب الله استعادة نفوذه الاجتماعي والاقتصادي، وإعادة بناء شبكة حضوره داخل القرى، حتى من دون إظهار نشاط عسكري مباشر. وفي أحد التوثيقات، يظهر عناصر من الهيئة الصحية الإسلامية خلال انتشال جثامين عناصر من حزب الله، بمرافقة عسكريين من الجيش اللبناني. كما يشير التقرير إلى مشاهد مماثلة التُقطت في تشرين الأول في بلدة فارون، حيث شارك عناصر من الهيئة الصحية الإسلامية وكشافة الرسالة التابعة لحركة أمل، إلى جانب الجيش اللبناني، في انتشال جثمان قتيل جراء انفجار من مخلفات الحرب. ويذهب التقرير أبعد من ذلك، إذ يتحدث عن نشر عشرات المنشآت السكنية الجاهزة في الجنوب، في إطار جهود إيواء العائلات المتضررة، لكنه ينقل تقديرات إسرائيلية تعتبر أن بعضها قد يُستخدم لإعادة بناء شبكات مدنية واستخبارية مرتبطة بحزب الله، مشبّهاً إياها بمنشآت سابقة نُسبت إلى جمعية "أخضر بلا حدود"، استهدف الجيش الإسرائيلي عدداً منها. غير أن هذه التوثيقات، على أهميتها في إظهار عودة المؤسسات المدنية، لا تشكل بحد ذاتها دليلاً مستقلاً على استعادة بنية عسكرية أو استخبارية داخل البلدات المذكورة. أما النقطة الأكثر حساسية، فتتعلق باتهام الجيش اللبناني بعدم تنفيذ عمليات تفتيش كافية، ولا سيما داخل المنازل والأملاك الخاصة، في وقت يؤكد التقرير أن المفاوضات بشأن آلية مراقبة تنفيذ الترتيبات الأمنية لا تزال عالقة منذ أشهر، وسط غياب اتفاق يتيح لإسرائيل التحقق من تفكيك البنى العسكرية التابعة لحزب الله. ويربط التقرير بين هذه التطورات والغارة الإسرائيلية الأخيرة على دراجة نارية في بلدة قبريخا، التي أسفرت عن مقتل نصر محمد يونس، وهو عنصر في جهاز الإسعاف التابع لكشافة الرسالة الإسلامية في حركة أمل. وينقل عن جهات أمنية إسرائيلية زعمها أن المستهدفين اقتربوا من القوات الإسرائيلية وشكّلوا تهديداً مباشراً لها، من دون تقديم إثبات مستقل لهذه الرواية. وفي موازاة ذلك، يكشف التقرير أن الجيش الإسرائيلي يواصل الاحتفاظ بمواقع دفاعية داخل الأراضي اللبنانية، وإن بأعداد أقل من تلك التي انتشرت خلال العمليات العسكرية الواسعة، خصوصاً قبل تدمير بنية الأنفاق في مرتفعات علي الطاهر مطلع أيلول الماضي. ويؤكد أن القوات الإسرائيلية تواصل نشاطها الميداني وتستعد لاحتمال تجدد القتال، فيما تتحدث تقديرات إسرائيلية عن استغلال حزب الله المرحلة الحالية لإعادة ترميم قدراته العسكرية، وإعادة عناصره إلى المنطقة، وجمع معلومات عن تحركات الجيش الإسرائيلي. لكن التقرير يعترف، في المقابل، بأن حزب الله يواجه وضعاً بالغ الصعوبة نتيجة الضربات التي تعرض لها، وتراجع قدراته العسكرية، وضعف موقعه الداخلي، فضلاً عن الظروف الصعبة التي تمر بها إيران. وتكمن خطورة التقرير في ربطه بين ثلاثة عوامل: اعتبار التجربة الأمنية غير ناجحة، وتعثر المفاوضات بشأن الرقابة، واستمرار الاستعدادات العسكرية الإسرائيلية، بما يفتح الباب أمام سيناريو العودة إلى القتال، من دون أن يعني ذلك صدور قرار إسرائيلي رسمي بشن عملية جديدة. وبذلك، تبرز معادلة شديدة الحساسية بالنسبة إلى لبنان: هل تتحول عودة السكان والمؤسسات الإغاثية إلى القرى الجنوبية إلى ذريعة إسرائيلية لمواصلة العمليات العسكرية، وهل يصبح تقييم إسرائيل لأداء الجيش اللبناني شرطاً إضافياً أمام الانسحاب واستكمال الترتيبات الأمنية؟ فالحديث الإسرائيلي عن فشل التجربة لا يقتصر على تقييم ميداني، بل يطرح عملياً سؤالاً أوسع عن الجهة التي ستحدد نجاح الجيش اللبناني أو إخفاقه، والمعايير التي ستُستخدم للحكم على أدائه، في ظل استمرار الوجود