تواجه السعودية مأزقاً عسكرياً وسياسياً متصاعداً في اليمن، بعدما طالب الحوثيون المدعومون من إيران بمبلغ 51 مليار دولار مقابل التوصل إلى اتفاق لوقف الأعمال العدائية، إلى جانب الاعتراف الرسمي بهم حكاماً لليمن، في شروط تضع الرياض أمام خيارين مكلفين: مواصلة الحرب أو تقديم تنازلات قد تعزز نفوذ طهران على حدودها الجنوبية. وكشفت صحيفة "وول ستريت جورنال"، في تقرير أعدّه جون غامبريل وسمر سعيد وصالح البطاطي، أن المطالب الحوثية طُرحت خلال اتصالات أجرتها السعودية عقب استهداف ناقلات نفط تابعة لها في البحر الأحمر وسيطرة الحوثيين على أراضٍ استراتيجية مشرفة على مضيق باب المندب. وبرّر الحوثيون المبلغ بتعويضات عن سنوات من الضربات السعودية والحصار، فيما أشارت مصادر مطلعة إلى تداول أرقام أخرى، لكنها جميعاً تبلغ عشرات مليارات الدولارات. وتأتي هذه المطالب وسط تصعيد عسكري واسع، إذ كثّف الحوثيون هجماتهم خلال تشرين الأول على منشآت شركة "أرامكو" والمطارات السعودية، ما تسبب بأضرار وحرائق واضطرابات في حركة السفر. وسجّل مرصد النزاعات "أكليد" 26 حادثة استهداف داخل المملكة خلال الأيام الأخيرة وحدها. وفي اليمن، يواصل الحوثيون تقدمهم نحو مدينة عدن، مقر الحكومة المعترف بها دولياً، بعدما اقتربوا إلى مسافة نحو 80 كيلومتراً منها، وهي أقرب نقطة يصلون إليها منذ عام 2015. كما استهدفوا مواقع عسكرية يُحتمل استخدامها لتجميع القوات الحكومية، بينها ضربة في شبوة أوقعت 75 قتيلاً على الأقل وأكثر من 200 جريح. وبحسب مسؤولين سعوديين، يدرك ولي العهد الأمير محمد بن سلمان خطورة الموقف، لكنه يرفض الدخول في تسوية شاملة من دون تحقيق مكاسب ميدانية تمنحه أوراق ضغط. وفي المقابل، يخشى أن يؤدي إرسال قوات سعودية إضافية إلى اليمن إلى خسائر بشرية كبيرة وغضب داخلي، بعدما سقط عشرات الضحايا في صفوف القوات السعودية من دون إعلان رسمي عنهم. وتزداد صعوبة الخيارات العسكرية مع تراجع الدعم الخارجي. فالإمارات انسحبت من الحملة ضد الحوثيين في كانون الأول الماضي إثر خلافات مع الرياض، فيما رفضت باكستان المشاركة في ضربات داخل اليمن، ولم يصادق البرلمان التركي بعد على اتفاق الدفاع المشترك مع السعودية. أما مصر، فوافقت على تقديم دعم عسكري، لكن الرئيس عبد الفتاح السيسي حصر أي مهمة بالطابع الدفاعي، بينما امتنعت واشنطن حتى الآن عن تقديم مساعدة عسكرية مباشرة. وحذّر خبراء من أن دفع المبالغ المطلوبة قد يفتح الباب أمام ابتزاز متكرر، بحيث يستخدم الحوثيون التصعيد العسكري مستقبلاً للحصول على أموال أو تنازلات إضافية. وتتضاعف المخاطر في ظل احتمالات تجدد المواجهة الأميركية أو الإسرائيلية مع إيران، إذ يخشى محللون أن تدفع طهران الحوثيين إلى توسيع هجماتهم الإقليمية، فيما تضطر السعودية إلى توزيع قدراتها الدفاعية بين التهديدات الإيرانية شرقاً، والفصائل العراقية شمالاً، والحوثيين جنوباً. ونقلت الصحيفة عن الخبير العسكري الأميركي ديفيد دي روش أن الضربات الجوية السعودية تبقى محدودة الفاعلية، وأن تغيير موازين القوى يحتاج إلى ضغط بري لا تمتلك الرياض حالياً القوات الكافية لتنفيذه. وهكذا، تجد السعودية نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد: تسوية بمليارات الدولارات قد تكرّس الحوثيين قوة مسيطرة على اليمن، أو حرب استنزاف طويلة تهدد منشآتها النفطية وأمنها الداخلي، فيما يبقى خطر التصعيد مع إيران عاملاً إضافياً قد يدفع الأزمة إلى مواجهة إقليمية أوسع.