أجهزة الرقابة: أربعة حُرّاس لدولة منهارة... فمن يُحاسبهم؟ ليس انهيار الإدارة العامّة في لبنان مجرّد نتيجة للأزمات الماليّة والسياسيّة، ولا هو وليد الصدفة أو سوء الإدارة وحدهما. إنّه، في جانب أساسيّ منه، حصيلة عقودٍ من تعطيل الرقابة، وتهميش المحاسبة، وتطويع المؤسّسات التي أُنشئت لحماية الدولة من الفساد والانحراف وسوء استعمال السلطة. ففي لبنان أربعة أجهزة وهيئات رئيسيّة تؤدّي أدوارًا محوريّة في الرقابة على الإدارة العامّة: التفتيش المركزي، ديوان المحاسبة، مجلس الخدمة المدنيّة، والهيئة العليا للتأديب. تختلف طبيعة كلّ منها وصلاحيّاتها، لكنّها تلتقي عند غاية واحدة: حماية الإدارة، وصون المال العام، وضمان احترام القانون. والسؤال الذي لا يجوز التهرّب منه، لو مارست هذه الأجهزة صلاحيّاتها كاملة، باستقلاليّة وفاعليّة، ولو احترمت السلطات السياسيّة والإداريّة نتائج أعمالها، هل كان لبنان ليبلغ هذا الدرْك من الانحلال الإداري والترهّل المؤسّسي؟ أُنشئ التفتيش المركزي بموجب المرسوم الاشتراعي رقم 115/1959، ليكون أداة أساسيّة لمراقبة الإدارات والمؤسّسات الخاضعة لصلاحيّاته، وكشف المخالفات والتحقيق فيها، واتخاذ التدابير التي يجيزها القانون أو اقتراح ما يلزم لمعالجتها. لكنّ السؤال ليس عمّا يمنحه القانون من صلاحيّات، بل عمّا تحقّق فعليًّا من نتائج. أين كانت الرقابة عندما تحوّلت إدارات إلى إقطاعيّات وظيفيّة؟ وعندما استشرى التغاضي عن المخالفات، وتراجعت الإنتاجيّة، وأصبح الالتزام بالقانون استثناءً لا قاعدة؟ لا يكفي إعداد التقارير وإيداعها لدى المراجع المختصّة. فالرقابة التي لا تُتابَع نتائجها تفقد جانبًا كبيرًا من وظيفتها الردعيّة. وإذا كانت السلطة السياسيّة تعرقل تنفيذ التوصيات والقرارات، فمن واجب الجهات الرقابيّة كشف هذا التعطيل وتوثيقه، لا الاكتفاء بتسجيله في ملفّات مغلقة. يُفترض أن يكون ديوان المحاسبة، بوصفه هيئة قضائيّة ماليّة، خطَّ الدفاع الأساسي عن شرعيّة الإنفاق العام وانتظام الحسابات، من خلال رقابته المسبقة واللاحقة وصلاحيّاته القضائيّة المحدّدة قانونًا. لكن كيف يمكن تفسير حجم الاختلال المالي والإداري الذي شهدته الدولة، في ظلّ وجود مؤسسة أُنيط بها التدقيق في استعمال المال العام؟ صحيح أنّ الديوان لا يضع السياسات الماليّة، ولا يتحمّل وحده مسؤوليّة الهدر والفساد، وأنّ نطاق رقابته محدّد بالقانون، لكنّ ذلك لا يمنع مساءلة فاعليّة أدائه، ومدى متابعة الملاحظات والقرارات الصادرة عنه، وتحديد الجهات التي امتنعت عن تنفيذها. فالرقابة الماليّة لا تُقاس بعدد صفحات التقارير، بل بقدرتها على كشف المخالفات وترتيب النتائج القانونيّة عليها. أُنشئ مجلس الخدمة المدنيّة ليكون إحدى الضمانات الأساسيّة لحماية الوظيفة العامّة من المحسوبيّات والتدخّلات السياسيّة، وتكريس معايير الجدارة والكفاءة والمساواة في التوظيف. لكن كيف اتّسعت مساحات التوظيف والتعاقد خارج الأصول؟ وكيف تغلّبت الاعتبارات السياسيّة والطائفيّة على معايير الكفاءة؟ وكيف تحوّلت الوظيفة العامّة، في حالات كثيرة، من خدمة للدولة إلى مكافأة على الولاء؟ لا يجوز تحميل المجلس مسؤوليّة قرارات اتُّخذت خارج نطاق صلاحيّاته، لكن من حقّ اللبنانيّين معرفة حجم المخالفات التي رصدها، والإجراءات التي اتّخذها، والمراجع التي تجاهلت ملاحظاته. فإذا كانت قراراته تُهمَل، فالمسؤوليّة تقع على من يتجاوز القانون. أمّا إذا كانت صلاحيّاته لا تُمارَس بالفاعليّة المطلوبة، فالمساءلة يجب أن تطال أداءه أيضًا. لا تستقيم إدارة عامّة من دون نظام تأديبي فعّال، يضمن مساءلة الموظّف الذي يُخلّ بواجباته، ويحمي الموظّف النزيه من التعسّف. وهنا يأتي دور الهيئة العليا للتأديب، ضمن اختصاصها القانوني، في النظر في المخالفات المحالة إليها واتخاذ القرارات التأديبيّة المناسبة. لكن ماذا تعني المساءلة إذا تأخّرت سنوات؟ وما قيمة العقوبة إذا فقدت أثرها الردعي؟ وكيف تستعيد الإدارة هيبتها إذا شعر المخالف بأنّ الحماية السياسيّة أقوى من القانون؟ إنّ الإفلات من المحاسبة لا يشجّع على المخالفة فحسب، بل يعاقب الموظّف المستقيم بصورة غير مباشرة، ويُحوّل النزاهة إلى عبء في بيئة تتسامح مع التجاوزات. لم يعد مقبولا الاكتفاء بتشخيص العجز الرقابي. فالإصلاح الحقيقي يبدأ بإجراءات قانونيّة واضحة، تُخرج الرقابة من دائرة التقارير إلى دائرة النتائج والمحاسبة. أوّلا، فرض الشفافيّة، أي نشر تقارير دوريّة عن المخالفات المكتشفة، والإحالات القضائيّة والتأديبيّة، والقرارات الصادرة ونِسَب تنفيذها، مع احترام سريّة التحقيقات وحماية المعطيات الشخصيّة، وتفعيل أحكام قانون الحقّ في الوصول إلى المعلومات. ثانيًا، تحديد مهل إلزاميّة، لناحية تعديل النصوص عند الاقتضاء لفرض مهل محدّدة على الإد