الدولة العميقة و"الحزب": شراكات وتأثيرات ومنفعة وتلزيمات في خطابه خلال قدّاس شهداء "المقاومة اللبنانية"، تحت عنوان "فجر السيادة" بتاريخ 6 أيلول 2026، قدّم رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع تعريفًا لمصطلح "الدولة العميقة" كـ "شبكة مصالح ومنافع داخل مؤسسات وأجهزة وسلطات أمنية وعسكرية وقضائية، تأخذ من الدولة لمصلحة "الدويلة" والمافيات والفاسدين"، وإذا كان هذا التعريف يوضّح أكثر فأكثر مدى ارتباط هذه الدولة العميقة بمشروع "الدويلة" أو بمعنى أصح مشروع "حزب الله" في لبنان، فإن دفاع الأخير المستميت عن هذه الدولة يوضح أهمية "الدولة العميقة" في مشروع تصدير الثورة الإسلامية ودولة الولي الفقيه، ويفتح الباب لتظهير الخدمات والمنافع وتسيير مصالح التي سهّلته إدارات الدولة لمشروع تصدير الثورة. لعلّ الحديث عن العلاقة بين "حزب الله" والنظام اللبناني واضح ومشروع في ظاهره، في المجال السياسي والتمثيلي، لكونه تحت سقف ما عُرف بالميثاق الوطني والعرف السائد منذ عهد الانتداب، تحت عنوان 6 و6 مكرّر، اللذين يحميان الأحجام والتوازنات والتحالفات التي تحكم الواقع السياسي اللبناني المبني على التوازن الطائفي. أمّا النفوذ والحصص والتأثير في الإدارات الرسمية، فلا تظهر بوضوح بسبب سياسة التناتش والتقاسم التي دأب عليها المتعاقبون على السلطة منذ اتفاق الطائف، وأصبحت تلك المؤسسات ساحة للصفقات والتنفيعات مع القوى السياسية التي وُلدت بعد الطائف أو التي التحقت بالدولة عام 2005، وإن بنسب متفاوتة بحسب قربها أو بعدها من تحالف السلاح والفساد الذي أرسى هذه المعادلة وعمل على استدامتها. حملت المصادر المفتوحة الكثير من المعلومات عن لجان ووحدات أنشأها "حزب الله" للعمل على ترسيخ نفوذه في الدولة اللبنانية، وهي تتنوع على مختلف الصعد من سياسي وأمني وعسكري واقتصادي واجتماعي وصحي وتربوي ديني وثقافي وسياحي وبلدي. مع نهاية الحرب الأهلية اللبنانية عام 1990، أسّس "حزب الله" ما يُعرف بمجلس العمل البرلماني، الذي ما لبث أن تعاظم شأنه مع انخراط "الحزب" في الحكومات، وتحوّل إلى مجلس العمل النيابي والحكومي، وأضحى يتمتّع بأهمية كبيرة لما له من تأثير في اللعبة السياسية العامة والتحالفات البرلمانية والحكومية، بالإضافة إلى الإشراف على الإدارات العامة، ولا سيما تلك التي تدور في فلك الوزارات التي تسلّمها "حزب الله" مباشرة، فيكون له الكلمة العليا في عملية تسيير تلك المرافق والمستشارين والقيّمين على هذه الإدارات وطبيعة عملها. وخلال فترة 20 عامًا تقريبًا، تسلّم "حزب الله" وزارة العمل 5 مرات، ووزارات الزراعة والصحة والصناعة ثلاث مرات لكلّ منها، ووزارات الشباب والرياضة والتنمية الإدارية وشؤون مجلس النواب مرتين لكلّ منها، ووزارتي الأشغال العامة والطاقة والمياه مرة واحدة لكلّ منهما. وبالتالي، نجح "حزب الله" في الوجود في معظم الوزارات الإنتاجية والخدماتية والإدارية، ممّا سمح له بالاطلاع والتقييم وتطعيم إدارات هذه الوزارات بالكوادر والعناصر الحزبية وغير الحزبية، التي يمكن أن تُسهم بشكل فاعل في خدمة المشروع الذي أُنشئ من أجله "حزب الله"، أي مشروع الدولة الإسلامية العامة. مع إقرار اتفاق دمشق الثاني في تشرين الثاني 1990 ووضع الصراع مع حركة أمل أوزاره، أسست جماعة "حزب الله" لجنة الارتباط والتنسيق، التي تولت إدارة العلاقات الأمنية وتنسيقها مع حركة أمل وجهاز الأمن والاستطلاع والمخابرات في الجيش السوري وأجهزة الأحزاب والتنظيمات وسائر الأجهزة الأمنية في الدولة اللبنانية، لمعالجة أي إشكال أو احتكاك في تلك الفترة. وعلى سجية اللجان الأمنية التي كانت تنشأ خلال الحرب الأهلية، تم إنشاء لجان أمنية في محتلف المناطق التي تواجد فيها أو سيطر عليها "حزب الله". على مدى السنوات والحقبات، ترأس تلك اللجان وفيق صفا، وتنوع عملها وتحوّل من التنسيق والتعاون خلال فترة حافظ الأسد إلى التقييم والإشراف والإدارة والتوجيه في الحقبات اللاحقة، ولا سيما بعد الانسحاب العسكري السوري في نيسان 2005، فأصبحت صاحبة اليد الطولى في السماح أو رفض دخول الأجهزة إلى المناطق التي تسيطر عليها، وطريقة عمل تلك الأجهزة في هذه المناطق والزامية التعاون معها، كما أضحت تصدر البطاقات يتم الالتزام بها، وأضحت لجنة الإرتباط والتنسيق مرجعية أساسية في إدارة اللعبة السياسية اللبنانية وصولا إلى الشأن الإداري والتنظيمي في الإدارة اللبنانية بمختلف توجهاتها وشجونها. بالإضافة إلى استقلاليته العسكرية الكاملة، تكثر المعلومات والتقارير والتصريحات السياسية والتحليلات الصحافية عن نفوذ لـ"حزب الله" في المحكمة العسكرية، باعتبارها أداة لملاحقة بعض الشخصيات أو لتبرئة عناصر حزبية أو تخفيف الأحكام عنها، وعلى سبيل المثال، قضية الطيار سامر حنا، التي تحوّلت إلى قتل غير مقصود، وتم ال