لم تعد القيود المفروضة على الإنترنت في إيران مجرد إجراء أمني أو سياسي، بعدما تحولت إلى عبء اقتصادي يهدد أعمال ملايين المستخدمين ويوسّع سوق أدوات تجاوز الحجب، وسط خسائر تُقدّر بعشرات ملايين الدولارات يومياً. وفي هذا السياق، انتقد الرئيس الإيراني الأسبق والقيادي الإصلاحي محمد خاتمي استمرار القيود المفروضة على الإنترنت بعد الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، داعياً الرئيس مسعود بزشكيان إلى معالجة ما وصفه بـ«المعضلة المؤسفة». وقال خاتمي، خلال لقاء مع مجموعة من العاملين في وسائل الإعلام: «خلال الحرب، كان من الممكن تفهّم بعض القيود وتبريرها، لكن استمرارها ضار، بل ومستحيل». ورأى أنّ القيود التي يمكن تبريرها بصورة مؤقتة في ظروف الحرب لا يمكن أن تستمر بعد انتهائها، خصوصاً بعدما أصبحت الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية مرتبطة بصورة متزايدة بالإنترنت. وأشار خاتمي إلى تنامي استخدام أدوات تجاوز الحجب والاهتمام بالإنترنت الفضائي، قائلاً: «على المستوى العام، ازداد الإقبال على استخدام ستارلينك والشبكات الافتراضية الخاصة. إن إغلاق جميع الطرق أمام الناس للوصول إلى الإنترنت أمر غير ممكن، كما أنّ أعمال جزء مهم من المجتمع وحياته اليومية أصبحت مرتبطة بالإنترنت». ووفق تقرير نشره موقع «فيلتر ووتش» في آب 2026، قال 74.4% من مستخدمي الإنترنت في إيران إنّهم يستعينون بأدوات لتجاوز الحجب، فيما ينفق نحو 6% من المشاركين في الاستطلاع أكثر من 5 دولارات أميركية، أي نحو مليون تومان، شهرياً على خدمات الشبكات الافتراضية الخاصة. وتشير هذه الأرقام إلى تحوّل أدوات تجاوز الحجب من وسيلة استثنائية إلى جزء من الاستخدام اليومي للإنترنت لدى شريحة واسعة من الإيرانيين. وساهمت سياسة الحجب في نشوء سوق اقتصادية موازية، إذ بات الوصول إلى الخدمات المحجوبة مرتبطاً بشراء أدوات أو اشتراكات إضافية. وبدلاً من إنهاء الطلب على الإنترنت العالمي، أدت القيود إلى زيادة الطلب على خدمات تجاوزها، وفرضت تكلفة إضافية على المستخدمين. وظهرت التداعيات الاقتصادية بوضوح خلال الانقطاع الواسع الذي رافق الحرب. وبحسب تقديرات غرفة التجارة الإيرانية، بلغت الخسائر المباشرة الناجمة عن انقطاع الإنترنت نحو 40 مليون دولار يومياً، وارتفعت إلى نحو 80 مليون دولار يومياً عند احتساب الآثار غير المباشرة. ولم تقتصر الخسائر على شركات التكنولوجيا، بل طالت التجارة الإلكترونية والتسويق والمبيعات والإنتاج وسلاسل التوريد، ما جعل الإنترنت عاملاً أساسياً في دورة النشاط الاقتصادي. وفي تقدير آخر نقله عباس آشتياني، رئيس لجنة سلاسل الكتل في منظمة «النظام الحاسوبي» الإيرانية، تكبّد الاقتصاد الرقمي الإيراني خلال أول 50 يوماً من انقطاع الإنترنت خسائر تُقدّر بنحو مليار دولار، بمعدل تراوح بين 30 و35 مليون دولار يومياً. وقال خاتمي إنّ «العديد من أصحاب العمل والمفكرين والباحثين، وحتى الناس العاديين، تعتمد أعمالهم أساساً على الإنترنت، ويتوقفون عن العمل في حال غيابه». وأضاف أنّ «المنع يزيد ميل جزء مهم من المجتمع إلى مخالفة القواعد، فيما تُستبدل خسائر البطالة والأضرار التي تلحق بمن يعتمد عملهم على الإنترنت بأرباح كبيرة يحققها المتاجرون بالشبكات الافتراضية الخاصة وغيرها من الوسائل المماثلة». وبحسب خاتمي، لا تقتصر الخسائر على الأموال التي يدفعها الإيرانيون للحصول على خدمات تجاوز الحجب، بل تشمل أيضاً تراجع الإنتاج والدخل وخسارة الوظائف وتعطيل الأعمال المرتبطة بالإنترنت. ولم تنتهِ المشكلة مع عودة الاتصال الدولي، إذ أشار تقرير «فيلتر ووتش» الصادر في آب 2026 إلى أنّ استعادة الاتصال لا تعني بالضرورة عودة الوصول الطبيعي إلى الإنترنت العالمي، في ظل استمرار الحجب والقيود المفروضة على النطاق الترددي، إلى جانب التفاوت في مستويات الوصول بين المستخدمين. وبرز خلال فترة الانقطاع ما عُرف بـ«الإنترنت الاحترافي»، الذي أتاح لبعض الفئات المهنية والاقتصادية وصولاً أقل تقييداً إلى الشبكة. وأثار ذلك جدلاً بشأن احتمال تحوّل سياسة الإنترنت في إيران إلى نظام متعدد المستويات، تحصل بموجبه فئات محددة على خدمة أفضل، فيما يبقى المستخدم العادي مضطراً إلى الاستعانة بأدوات تجاوز الحجب. ويطرح موقف خاتمي سؤالاً بشأن الجدوى الاقتصادية لاستمرار هذه السياسة، إذ إنّ القيود لا تلغي حاجة الإيرانيين إلى الإنترنت، بل تدفعهم إلى البحث عن طرق بديلة وأكثر كلفة للوصول إليه، بالتزامن مع تعطيل التجارة الإلكترونية والعمل الحر والخدمات الرقمية والبحث العلمي والتواصل التجاري. وفي ختام حديثه، وجّه خاتمي رسالة مباشرة إلى بزشكيان، قائلاً: «آمل أن يتخذ السيد الرئيس، بالشجاعة والصراحة والقرار نفسه الذي رأيناه منه في بعض القضايا، خطوة نحو حل هذه المعضلة المؤسفة». وتكمن المفارق