لم تقتصر التحولات التي أظهرتها الانتخابات النصفية الأميركية، في 3 تشرين الثاني/نوفمبر، على انتقال مقاعد من الجمهوريين إلى الديموقراطيين، بل شملت أيضاً أنماط التصويت لدى مجموعات إثنية مختلفة، ولا سيما الناخبين اللاتينيين الذين حقق دونالد ترامب مكاسب لافتة بينهم قبل عامين، قبل أن تكشف النتائج الأخيرة مؤشرات إلى تراجع تلك المكاسب. وتطرح هذه النتائج تساؤلات حيال استقرار التحالفات الانتخابية، ومدى قدرة الحزبين على الاحتفاظ بتأييد مجموعات تختلف في أصولها وتجاربها السياسية. وبينما تشير النتائج الأولية إلى تحولات في تصويت اللاتينيين والسود والبيض، يحذر باحثون تحدثوا إلى "النهار" من اعتبارها دليلاً نهائياً على تبدّل الولاءات، قبل اكتمال تحليل معدلات المشاركة والخيارات الانتخابية. وتكتسب هذه التحولات أهمية إضافية في ظل التنوع المتزايد للناخبين الأميركيين. فبحسب بيانات مركز بيو للأبحاث، يبلغ عدد المواطنين المتجنسين المؤهلين للتصويت نحو 25 مليوناً، يمثلون قرابة عُشر الناخبين المؤهلين، بينهم 33.2 بالمئة من اللاتينيين، و32.3 بالمئة من الآسيويين، و20.1 بالمئة من البيض، و10.7% من السود. تحولات اللاتينيين بين تكساس وفلوريدا يقول أستاذ السياسة الأميركية في كلية لندن الجامعية، أندرو بروكتور، لـ"النهار"، إن النتائج الأولية تشير إلى "تحولات كبيرة بين الناخبين اللاتينيين باتجاه العودة إلى الديموقراطيين"، لافتاً إلى أن بعض المقاطعات الحدودية في تكساس شهدت تحولاً انتخابياً تراوح بين 40 و50 نقطة لصالح المرشح الديموقراطي جيمس تالاريكو، مقارنة بأداء ترامب عام 2024. لكن بروكتور ينبه إلى أن هذه الأرقام تعكس نتائج المقاطعات، لا تصويت اللاتينيين حصراً، موضحاً أن جزءاً من التحول ربما يعود أيضاً إلى انتقال ناخبين بيض في جنوب تكساس إلى تأييد الديموقراطيين. ويبرز هذا التفاوت داخل المجتمع اللاتيني نفسه. فبينما يبدو أن الناخبين من أصول مكسيكية في تكساس عادوا باتجاه الديموقراطيين، يرجح بروكتور استمرار تأييد الكوبيين للجمهوريين في فلوريدا، مشيراً إلى الحاجة لمزيد من البيانات لتحديد اتجاهات تصويت الناخبين البورتوريكيين. وكان ترامب قد حصل على 48 بالمئة من أصوات اللاتينيين عام 2024، مقابل 36 بالمئة عام 2020، وفق تحليل لمركز بيو للأبحاث. ويرى بروكتور أن انتخابات 2024 ربما شكّلت استثناءً، فيما تعكس النتائج الجديدة عودةً إلى الأنماط التقليدية لتصويت هذه المجموعات، لكنه يشدد على أن البيانات المتاحة لا تسمح بالجزم بذلك. وأوضح بروكتور أنه رصد تحولات كبيرة بين السود واللاتينيين والبيض في جميع الولايات التي راجع نتائجها، فيما لم تتوافر لديه بعد بيانات تفصيلية مماثلة بشأن الناخبين الآسيويين. المرشح الديموقراطي لمجلس الشيوخ جيمس تالاريكو خلال التصويت المبكر في أوستن بولاية تكساس. (أ ف ب) هل تغيّرت الولاءات أم معدلات المشاركة؟ يحذر الباحث في السلوك الانتخابي بجامعة أكسفورد، ستيفن فيشر، في حديث إلى "النهار"، من الوقوع في ما يُعرف بـ"المغالطة البيئية"، أي افتراض أن التحول الانتخابي في منطقة تضم مجموعة إثنية كبيرة يعكس بالضرورة تغيراً في تصويت أفراد تلك المجموعة. ويوضح أن "مجرد أن تشهد مناطق تضم نسباً كبيرة من مجموعات إثنية معينة تحولاً انتخابياً أكبر، لا يعني أن تلك المجموعات نفسها هي التي تسببت فيه"، مؤكداً أهمية الجمع بين نتائج الانتخابات واستطلاعات الرأي الفردية للوصول إلى استنتاجات أكثر دقة. ويعتبر فيشر أن المقارنة مع انتخابات 2024 تكتسب أهمية خاصة، بعدما شهدت تحولاً لافتاً نحو ترامب بين اللاتينيين، "يبدو أنه بدأ يتراجع في 2026". لكنه يشير إلى صعوبة الفصل بين تغير التفضيلات الحزبية واختلاف معدلات المشاركة، من دون بيانات تتتبع سلوك الناخبين على امتداد دورات انتخابية متعددة. ومن زاوية أخرى، يربط الأستاذ المساعد للسياسات العامة في كينغز كوليدج لندن، جورجيوس ساماراس، النتائج بخطاب إدارة ترامب تجاه المهاجرين، معتبراً أن سياساتها أثارت الخوف في مجتمعات واسعة، وأن الناخبين، خصوصاً غير البيض، وجهوا رسالة سياسية واضحة. ويذهب ساماراس أبعد في توصيفه، إذ يرى أن خطاب الإدارة تجاوز الشعبوية إلى ما يصفه بـ"الفاشية"، منتقداً كذلك دور المؤسسات الإعلامية اليمينية وتأثير المليارديرات في المشهد السياسي. غير أن بروكتور يلفت إلى أن التحولات الانتخابية لم تقتصر على الأقليات، بل شملت أيضاً الناخبين البيض الحاصلين على شهادات جامعية وسكان الضواحي، فضلاً عن بعض المناطق الريفية التي حقق فيها الديموقراطيون تقدماً لافتاً. وتعيد هذه النتائج طرح سؤال أوسع بشأن طبيعة التحولات التي تشهدها الولايات المتحدة: هل تعكس إعادة تشكيل دائمة للتحالفات الانتخابية، أم أنها تعبير عن رغبة الناخبين في معاقبة