جنوب لبنان بعد «اليونيفيل»... إلى أين يتجه الأمن بين الفراغ الدولي واختبار الدولة؟ يدخل الوضع الأمني في جنوب لبنان مرحلة شديدة الحساسية مع اقتراب نهاية مهمة قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل»، في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، وعدم اكتمال الانسحاب من الأراضي اللبنانية، وتعقيدات تطبيق القرار 1701. فقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2790 لعام 2025 منح «اليونيفيل» تمديداً أخيراً حتى 31كانون الأول 2026، على أن تبدأ بعد ذلك عملية انسحاب تدريجي ومنظم.وهو قرار يضع لبنان أمام سؤال استراتيجي كبير:من سيملأ الفراغ الذي قد تتركه القوة الدولية في منطقة لا تزال مفتوحة على احتمالات التصعيد؟ الموقف اللبناني الرسمي عبّر في أكثر من مناسبة عن القلق من أي فراغ أمني في الجنوب.فالرهان الأساسي للدولة يتمثل في تعزيز انتشار الجيش اللبناني وتمكينه من تحمل مسؤولية الأمن والسيادة، لكن الانتقال من وجود قوة دولية لعبت دوراً أساسياً طوال عقود إلى مسؤولية لبنانية كاملة يحتاج إلى إمكانات عسكرية ولوجستية وسياسية لا تزال موضع اختبار. في المقابل، لا تبدو إسرائيل مستعدة لتقديم ضمانات كافية بشأن وقف اعتداءاتها أو الانسحاب الكامل من النقاط التي لا تزال تحتلها في الجنوب.وهذا الواقع يجعل الحديث عن مرحلة «ما بعد اليونيفيل» أكثر تعقيداً، لأن الأمن لا يمكن أن يُبنى من طرف واحد فيما تبقى الحدود عرضة للخروقات والعمليات العسكرية. الأمم المتحدة نفسها تبحث في ترتيبات المرحلة المقبلة، فيما برزت مقترحات أوروبية ودولية لتفادي الفراغ الأمني. كما شددت جهات حقوقية دولية على خطورة إنهاء الوجود الدولي من دون بديل قادر على حماية المدنيين ومراقبة الوضع الميداني. لكن الحقيقة التي لا ينبغي تجاهلها هي أن المشكلة ليست في رحيل «اليونيفيل» وحده، بل في غياب تسوية سياسية وأمنية مكتملة.فالقوة الدولية كانت، رغم محدودية قدرتها على منع الحروب، تشكل عنصر مراقبة وردع واتصال بين الأطراف. لذلك، فإن مستقبل جنوب لبنان سيتحدد بقدرة الدولة اللبنانية على تعزيز حضورها، وبمدى إلزام إسرائيل بوقف خروقاتها وتنفيذ التزاماتها، وبنجاح المجتمع الدولي في منع تحول نهاية مهمة «اليونيفيل» إلى بداية فراغ جديد. فالجنوب يقف اليوم أمام مرحلة انتقالية دقيقة: إما تثبيت سلطة الدولة ضمن ترتيبات أمنية واضحة، وإما الدخول في مساحة مفتوحة من الغموض قد تجعل الحدود الجنوبية أكثر هشاشة وخطورة. هذه الصيغة تعتمد على قرار مجلس الأمن الرسمي الذي حدّد 31كانون الأول 2026 موعداً لانتهاء العمليات وبدء الانسحاب المنظم، وعلى النقاش الدولي الحالي حول البديل والترتيبات الأمنية في مرحلة ما بعد «اليونيفيل».