في سفر حبقوق، ترد العبارة التالية: “لأن ظلم لبنان يغطّيك” (حبقوق 2: 17)، في سياق يتناول العنف والظلم والاعتداء على الأرض والناس. وكأن النص في هذا السفر، بما يحمله من إدانة أخلاقية للظلم، يضع أمام البشرية حقيقة انه لا يمكن للظالم أن يبني مجده على حساب الأرض وكرامة الإنسان، ولا يمكن للعدالة أن تغيب إلى الأبد. أما إشعيا، فيفتح نافذة على صورة أخرى للبنان، حين يقول: “أليس في مدة قصيرة جداً يتحوّل لبنان بستاناً” (إشعيا 29: 17). هذه الصورة تختصر الكثير في رمزيتها وتعني ان لبنان كالبستان تتجدد فيه الحياة بسرعة قياسية. لكن ماذا عن لبنان اليوم؟ ماذا عن أرض تتوالى عليها الحروب، وتستنزف فيها مقدرات الدولة، ويهاجر شبابها بحثاً عن فرصة حياة، ويعيش أهلها بين الخوف من حرب جديدة والقلق على الغد؟ ماذا عن قرى دفعت أثماناً باهظة، وبيوت تحولت إلى ركام، وعائلات اقتلعت من أماكنها، وأجيال باتت تسأل عن حقها في وطن مستقر؟ ليس المطلوب أن نحمّل النصوص المقدسة أكثر مما تحتمل، ولا أن نعتبر كل ما يجري تحقيقاً حرفياً لنبوءة أو عقاباً إلهياً، لكن في هذه النصوص ما يدعونا إلى التمسك بقيمة الأرض، ورفض الظلم، والانحياز إلى الإنسان، وهي قيم يحتاج إليها لبنان اليوم أكثر من أي وقت مضى. سياسياً، لا يكفي أن تنتهي جولة من المواجهات كي يعود الوطن إلى عافيته، ولا أن ترمم الأبنية فيما تبقى النفوس مثقلة بالخوف، ولا أن تعلن التسويات فيما لا تزال السيادة والعدالة والإنماء والعيش المشترك أسئلة معلّقة. النهوض يحتاج إلى دولة تحمي جميع أبنائها، ومؤسسات تستعيد ثقة الناس، وقرار وطني لا يختزل بحسابات الخارج، واقتصاد يمنح الشباب سبباً للبقاء، وإرادة سياسية تضع مصلحة لبنان فوق المصالح الضيقة. ويحتاج، قبل كل شيء، إلى مصالحة اللبنانيين مع فكرة الوطن، لا أن يكونوا شركاء في أرض واحدة فحسب، بل شركاء في مسؤولية بنائها وحمايتها. أما وجدانياً، فلبنان هو الكنيسة والجامع، البيت الذي ينتظر عودة أبنائه، الأم التي تتمسك بأمل أن يكبر أولادها في بلد لا يخافون فيه من الغد. هو ذاكرة لا تمحوها الحروب، وهو انتماء لا تستطيع الأزمات أن تنتزعه بسهولة. فهل يقوم لبنان بعد كل هذا الكم من المعاناة؟ لا أحد يستطيع أن يتكهن بموعد النهوض، ولا أن يضمن أن الطريق سيكون قصيراً في ظل الظروف الراهنة لكن التاريخ يعلمنا أن الأوطان لا تقاس فقط بحجم ما أصابها من كوارث، بل أيضاً بقدرتها على تحويل الألم إلى وعي، والخسارة إلى مسؤولية، والانتظار إلى فعل. فالبستان لا ينبت من تلقاء نفسه، بل يحتاج إلى من يحمي تربته، ويزرع أرضه، ويمنع عنها الظلم والإهمال. لبنان يستحق أن ينهض، لا لأن النصوص تحدثت عن جماله فحسب، بل لأن أبناءه يستحقون الحياة لا ان يستمروا رهينة الحروب والانقسامات. ولعل أجمل ما يمكن أن ننتظره ليس نبوءة جديدة، بل أن يأتي يوم يصبح فيه لبنان بستاناً بالفعل، وطناً لا يصدر أبناءه، ولا يخاف أهله على بيوتهم، ولا تكون فيه الحياة امتيازاً، بل حقاً لكل إنسان.