أميركا تحاسب ترامب... أين يثأر "الذئب الجريح"؟ ترامب لوّح بورقة الفيتو في وجه الديموقراطيين (أ ف ب) حين امتدّ اللون الأزرق إلى معاقل الجمهوريين على خريطة الولايات المتحدة، بدت صناديق الاقتراع كأنّها تجمع فواتير الغضب الأميركي: أسعار البنزين، وكلفة البقالة، والإيجارات، وحرب بعيدة وجدت طريقها إلى ميزانية كلّ منزل. حمل الناخبون أعباءهم المعيشية إلى التصويت، فانتزع الديموقراطيون مجلسَي الكونغرس، وجاء بذلك موعد الحساب السياسي لدونالد ترامب. الرئيس الجمهوري الذي عاد إلى البيت الأبيض واعدًا باستعادة الرخاء وإنهاء الحروب، استيقظ على ناخبين يسحبون من حزبه مفاتيح التشريع والرقابة، ويضيّقون هامش حركته في العامَيْن المتبقّيين من ولايته. وفي عمق الهزيمة، انكشف تصدّع العلاقة بين قائد بنى قوّته على مخاطبة الغاضبين، وشرائح أعادت توجيه غضبها نحوه، بعدما أثقلت حياتها الفجوة بين وعوده الأساسية وما تحقّق منها. جوهر المعضلة هو الغلاء. فالناخب يقيس تحسّن الاقتصاد بقدرة راتبه على تغطية احتياجاته، وبما يتبقّى منه حتى موعد الراتب التالي. وحين تبقى الأسعار مرتفعة والدخول عاجزة عن اللحاق بها، يفقد الحديث عن تباطؤ التضخّم قدرته على الإقناع. تحوّل ضيق المعيشة إلى دافع للتصويت العقابي: فمن منح ترامب فرصة عام 2024 لتخفيف أعبائه، وجد نفسه بعد عامين تحت وطأة ضغوط إضافية. وقد أظهرت البيانات ثقل تكاليف المعيشة في القرار الانتخابي، إلى جانب الفساد والرغبة في تشديد الرقابة على الرئاسة. ودفع ترامب ثمنًا مضاعفًا في الانتخابات النصفية؛ إذ لم ينأَ بنفسه عن الحملات كما يفعل الرؤساء عادةً، بل ألقى بثقله فيها، فحوّلها إلى استفتاء على إدارته. ومع أنّ حزب الرئيس غالبًا ما يخسر في هذه الانتخابات، فإنّ انخراطه المباشر جعل الهزيمة مضاعفة، لأنّ الناخبين سئموا من انعكاس بعض سياساته على قدرتهم الشرائية. فاقمت الرسوم الجمركية هذه المشكلة. فما قدّمته الإدارة بوصفه حماية للاقتصاد الأميركي انتقل جزء من كلفته إلى المستهلكين والشركات. ثمّ جاءت الحرب مع إيران لتضغط على الطاقة والنقل وسلاسل الإمداد، فتلتقي كلفة السياسة التجارية بكلفة المواجهة العسكرية عند صندوق المحاسبة في المتجر. أمّا استمرار الحرب الروسية الأوكرانية فأبقى وعد ترامب بإطفاء هذا الصراع الدموي معلّقًا، وسط مخاطر إضافية على أسواق الغذاء والطاقة، من دون مساواة وزنها الانتخابي بوزن الغلاء. الأكثر إيلامًا للجمهوريين أنّ الغضب طال بطبيعة الحال ناخبين صوّتوا سابقًا لهم وحضروا الثلثاء إلى مراكز الاقتراع لمحاسبة الحزب الحاكم. وقد أقرّ نائب الرئيس جيه دي فانس بأنّ قسمًا ممّن صوّتوا لترامب انتقل إلى الديموقراطيين، معتبرًا الحرب ضد إيران سبب الخسارة، الأمر الذي اعتبره ترامب صحيحًا إلى حدّ كبير. وهذا يؤكّد أنّ موجة 2024 ضمّت أصواتًا مشروطة بتحسّن الحياة، قابلة للانتقال حين تخيب التوقّعات. يصعب اختزال الهزيمة في ضعف التعبئة أو سوء إيصال الرسائل؛ فالرسالة الأكثر صقلًا تعجز عن إقناع أسرة بأنّ قدرتها الشرائية تحسّنت بينما تجربتها اليومية تقول العكس تمامًا. تجسّد هذا التحوّل بقوّة في تكساس وكانساس وكارولاينا الجنوبية وأيوا وأوهايو. وإلى جانبها، أضافت كارولاينا الشمالية وماين خسائر موجعة إلى المشهد. وتمنح هذه الجغرافيا الهزيمة معناها: وصل الاعتراض إلى مناطق اعتاد "حزب الفيل" اعتبارها محصّنة. غير أنّ اختراق المعاقل يظلّ حصيلة تفاعل المزاج الوطني مع نوعية المرشّحين وظروف الولايات، إذ لا يُمكن اعتباره "انقلابًا أيديولوجيًّا"، إن صحّ التعبير. وفي التركيبة الاجتماعية، ترصد البيانات انجذابًا متجدّدًا للديموقراطيين بين الشباب واللاتينيين، وتعزّز تأييدهم التقليدي بين الناخبين السود، خصوصًا الرجال، مع مكاسب بين المعتدلين والأسر الأقلّ دخلًا. ويمتدّ التحوّل إلى النظرة إلى إسرائيل. فقد رصدت دراسات سابقًا اتّساع المواقف السلبية تجاهها، خصوصًا لدى الأصغر سنًا، وصولًا إلى شرائح جمهورية. وتسمح هذه الخلفية بقراءة تزايد التساؤل عن مردود الدعم الأميركي لتل أبيب وكلفته على المصالح الأميركية. وحين تتزامن الشراكة العسكرية مع حرب مكلفة وغلاء داخلي، يصبح شعار "أميركا أوّلًا" معيار محاسبة لصاحبه. أمّا العامان الأخيران، فسيفتتحان مرحلة صراع على حدود السلطة. مع انعقاد الكونغرس الجديد في كانون الثاني، يستطيع النواب الديموقراطيون تعطيل تشريعات ترامب، ومساءلة إدارته، والتحكّم بإقرار الاعتمادات، فيما يملك مجلس الشيوخ صلاحية رفض ترشيحات الرئيس للمناصب التي تستلزم إقرار المجلس. وستتحوّل ملفات الحرب والهجرة وشبهات الفساد إلى ساحات استنزاف. وفي المقابل، يحتفظ الرئيس بالفيتو وبأدوات تنفيذية، ضمن حدود القانون ورقابة القضاء. هكذا ترتفع احتمالات الاشتباك حول الموازنا