لا يبدأ الكلام على لبنان من الحرب الأهلية كحادثةٍ لها بداية ونهاية، بل من كونها بنيةً لم تُفكَّك، بل غُيِّر شكلها فقط. توقف المدفع، وبقي مدفع الكراهية يُدار بيد من كان يُدير الأول، فاستقرّت ثقافة التربص بين اللبنانيين، وصار كل فريق يحسب تحرّكات الآخر بمنطق الخصومة لا الشراكة. وهذا النوع من اللبنانيين لا يشبه عطاء الله في شيء، لأن العطاء للوطن يقتضي البذل لا الاستثمار، والوطن عند هؤلاء ليس غاية بل وسيلة. القاعدة الدستورية الصارمة أن المسؤولية تُلازم القرار، فمن أمسك بالقرار أمسك بتبعاته، ولا يُعفى منها بتغيّر الشكل القانوني الذي يمارس فيه. ومن كان لاعباً أساسياً في الحرب الأهلية هو نفسه اليوم في الدولة وساحة القرار، وبالتالي هو المسؤول عن أي دمار يلحق بالبلد: وطناً وشعباً ودولة. والمسؤولية هنا لا تنقسم ولا تُوزَّع على الخارج وحده، ولا تُلقى على الجغرافيا والتاريخ، بل هي مسؤولية إرادية مباشرة، لأن من يملك القرار يملك المسؤولية أمام الشعب والتاريخ والقانون. ثمة احتلال إسرائيلي موجود ومتربص، ولاجئون غرباء تحوّل وجودهم إلى معادلة سكانية واقتصادية وأمنية، وتحوّلات كبرى في المنطقة تعيد رسم التوازنات. وكل هذا يجري وكأن لبنان ليس لبنانهم، وكأن الدولة كيانٌ مجرَّد عن مواطنيها، يُدار بالوكالة لا بالنيابة. والحقيقة الدستورية أن السيادة ليست شعاراً بل مجموعة قرارات: الحرب والسلم، الحدود، الإقامة، الجنسية، حماية المال العام. ومن لا يملك هذه القرارات لا يملك سيادة، ومن لا يملك سيادة لا يملك دولة بالمعنى القانوني الدقيق، بل يملك إدارةً شكلية تنتظر التعليمات. المشكلة اللبنانية ليست في غياب النصوص، فالنصوص الدستورية موجودة، بل في أن النصوص تُقرأ وتُطبَّق بمنطق المحاصصة لا بمنطق المواطنة. وهذا هو مصدر الغربة: أن يشعر المواطن أن الدولة ليست دولته، ومؤسساتها ليست مؤسساته، وقراراتها لا تعبّر عنه. وهذا الخلل لا يُصلَح بالترقيع ولا بالوعود ولا بالخطابات الموسمية، بل بقرار سيادي واحد: أن يكون الولاء للبنان وحده، لا لفريق ولا لطائفة ولا لخارج. ومن يرى في هذا تجريحاً فليعلم أن التجريح الحقيقي أن يبقى الوطن رهينةً لمن جرّبه في الحرب، ثم في السلم، ثم في الدولة، وخرج في كل مرة خاسراً وحده. النخب اللبنانية، أصحاب الضمير منها خاصة، أمام اختبار تاريخي لا يقبل التبرير: إما أن تنتفض لوطنها لبنان، وتحرض على بناء دولة لا ولاء فيها إلّا للبنان، وتطالب بطرد كل غريب متسلل إلى لبنان بطريقة غير شرعية أو شرعية مزيفة، وإما أن تبقى في موقع المتفرج الذي يرى الخراب ويصفه وصفاً بليغاً دون أن يحرّك ساكناً. والفرق بين النخبة والوصاية على النخبة هو الفرق بين من يكتب ليقول الحق، ومن يكتب ليدير الأزمة. ومن يكتب ليدير الأزمة هو جزء من المشكلة، لا جزء من الحل، مهما تزيّن بخطاب الإصلاح. أن اللحظة اللبنانية لا تحتمل المجاملة: من كان لاعباً في الحرب ثم صار لاعباً في الدولة هو المسؤول الأول عن الدمار، وليس الخارج وحده، وليس التاريخ وحده، وليس الجغرافيا وحدها. ومن يرى في هذا الكلام قسوة فليعلم أن القسوة الحقيقية أن يبقى الشعب اللبناني الشريف يدفع الثمن في ماله وكرامته، بينما يجلس من أحرق البلد على طاولة القرار وكأن شيئاً لم يكن. وإن النخب التي تصمت اليوم هي نخب لا تستحق أن تُسمّى نخباً، لأن النخبة الحقيقية هي التي تنتفض لوطنها حين يصمت الجميع، وتحرض على بناء دولة لا ولاء فيها إلّا للبنان، وتطالب بطرد كل غريب متسلل إلى لبنان بطريقة غير شرعية أو شرعية مزيفة، لا أن تكتفي بوصف الخراب وترتّب عليه جوائزها ومكاسبها. ومن لا يفعل ذلك اليوم فليعلم أنه شريك في الغربة، وشريك في الخراب، وشريك في الحرب التي لم تنتهِ ولو توقف مدفعها. وخشبة الخلاص هي الدولة، وببساطة أيضاً: دولةٌ لا ولاء فيها إلّا للبنان، أو لا خلاص.