"وما الحرب إلا ما عرفتم وذقتم وما هو عنها بالحديث المرجم متى تبعثوها تبعثوها ذميمة وتضر إذا ضريتموها فتضرم فتعرككم عرك الرحى بثفالها وتلقح كشافاً ثم تنتج فتتأم" (زهير بن أبي سلمى) قد تبدأ التحولات الكبرى في الشرق الأوسط من صناديق الاقتراع الأميركية، لكن نتائجها تصل إلى المنطقة عبر حسابات أكثر تعقيداً من انتصار حزب وهزيمة آخر. فإذا أعقبت خسارة الجمهوريين قدرة فعلية على تقييد دونالد ترامب في المواجهة مع إيران، وقَبِل الرئيس بهذه القيود، فإن السؤال اللبناني يصبح ملحّاً، وهو هل يؤدي انحسار الاندفاعة الأميركية إلى تهدئة إسرائيل، أم يدفع بنيامين نتنياهو إلى تسريع عملياته قبل انغلاق نافذة الفرصة؟ هذه المقالة تستكشف الاحتمال الثاني بوصفه سيناريو افتراضياً، تتوقف مراحله على قرارات قابلة للتغيير، وتحمل نهايته القصوى خطراً يستدعي التفكير فيه دون تقديمه كنبوءة. تقييد ترامب يفترض أكثر من تبدّل الأكثرية في الكونغرس، فالانتقال من الهزيمة الانتخابية إلى ضبط السياسة الخارجية يحتاج إلى أدوات سياسية ومالية ورقابية، وإلى استعداد داخل الإدارة للامتثال. كما تبقى للرئيس قدرة واسعة على المبادرة وإدارة الأزمات، لذلك يقوم السيناريو هنا على فرضية محددة وهي أن تتشكل في واشنطن إرادة قادرة على منع التوسع في الحرب مع إيران، وأن يقتنع ترامب بأن كلفة تحدّيها تفوق مكاسب التصعيد. عندها قد تستعيد الدبلوماسية موقعاً أوسع، فيما تحاول إسرائيل تحديد مقدار ما بقي متاحاً لها عسكرياً وسياسياً. بالنسبة إلى نتنياهو، قد يحمل هذا التحول معنيين متعارضين، فمن جهة، يضعف الاطمئنان إلى مشاركة أميركية مفتوحة في أي مواجهة كبرى، ومن جهة ثانية، قد يولّد شعوراً بأن الوقت ينفد وأن تحقيق أهداف بعيدة يحتاج إلى فرض وقائع سريعة. وفي هذا الاحتمال، يمكن أن يتواصل السعي إلى تفكيك القدرات العسكرية لحزب الله، مع توسيع شروط الأمن الإسرائيلي، لتشمل ترتيبات ميدانية وسياسية داخل لبنان وسوريا. والخطر أن يتحول مفهوم "إزالة التهديد" إلى هدف بلا نهاية محددة، يُنتج كل تقدم فيه مطالب إضافية. هنا يظهر معنى تغيير الخرائط، فقد يبدأ الأمر بتغيير السيطرة على الأرض وحرية الحركة وإمكان عودة السكان، قبل أن يصل إلى أي تعديل رسمي للحدود في منطقة يمنع أهلها من العودة، وطريق يخضع للمراقبة العسكرية، ومرتفعات تتحول إلى مواقع دائمة، كلها تصنع جغرافيا سياسية جديدة حتى إذا بقيت الخرائط المطبوعة على حالها. وفي السيناريو المطروح، تصبح الساحتان السورية واللبنانية مجالاً لترتيب محيط إسرائيل وفق ميزان القوة، مع احتمال استخدام الأمن ذريعة لإدامة ترتيبات كان يفترض أن تكون مؤقتة. أما لبنان، فيواجه معضلة أشد من مسألة بقاء حزب الله قوة مسلحة أو تراجعها، فإضعاف الحزب عسكرياً قد يفتح فرصة لاستعادة الدولة قرارها، لكنه قد يترافق أيضاً مع تدمير العمران وتهجير السكان وإضعاف المؤسسات التي يفترض أن تتولى هذه الاستعادة. الدولة تحتاج إلى قدرة فعلية على حماية مواطنيها وإدارة حدودها وتأمين شروط عودتهم، وإذا بقيت عاجزة، فإن الفراغ قد يعيد إنتاج التسلح والخوف والارتهان، ولو تبدلت الأسماء والتوازنات. وهكذا قد تتحقق مكاسب إسرائيلية عسكرية من دون أن يولد استقرار لبناني. في هذه اللحظة تدخل إيران بوصفها الطرف الذي يتعين عليه تقدير كلفة خسارة حليفه وكلفة التدخل لحمايته. وقد تختار امتصاص الضربة، أو الدعم غير المباشر، أو التفاوض على تسوية، أو توسيع المواجهة. ويتوقف اختيارها على قراءتها للتهديد ولموقف واشنطن ولقدرتها على تحمل حرب جديدة. فإذا اعتبرت أن ما يجري مقدمة لضرب أمنها أو فرض استسلام استراتيجي عليها، قد ترجّح التصعيد. أما إذا رأت أن مجال التسوية ما زال مفتوحاً، فقد تقبل بخسائر مؤلمة لتجنب خسارة أكبر. أخطر حلقات هذا السيناريو تبدأ عندما تتقاطع القراءات الخاطئة المتبادلة. فقد تعتقد إسرائيل أن إيران غير قادرة على التدخل، بينما ترى طهران أن تراجع واشنطن يتيح لها رداً أوسع. وقد تفترض إيران أن ضربة كبيرة ستفرض وقف الحرب، فيما تتلقاها القيادة الإسرائيلية باعتبارها دليلاً على ضرورة توسيعها. عندئذ يصبح الحدث الذي قصد به استعادة الردع سبباً لانهياره. والحروب تتجاوز أحياناً مقاصد أصحابها لأن كل طرف يفسّر فعل خصمه من خلال أسوأ الاحتمالات، ثم يتصرف بطريقة تؤكد مخاوف الطرف الآخر. كما أن نتانياهو، لأسباب سياسية محلية ولأسباب استراتيجية عسكرية، قد يسعى لتحفيز إيران للمشاركة ومن ثم استدراج حرب واسعة النطاق يسعى من خلالها لتغيير المعادلات القائمة. إذا أسفرت ضربة إيرانية، أو سلسلة ضربات، عن كارثة داخل إسرائيل وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا، فإن الضغط من أجل رد استثنائي قد يبلغ مستوى غير مسبوق. لكن الانتقال من هذه الفرضية إلى الجزم باستخدام سلاح نووي يختزل