بعد انتزاع الديمقراطيين السيطرة على مجلس النواب الأميركي في انتخابات التجديد النصفي، بات زعيمهم حكيم جيفريز على أعتاب محطة تاريخية قد تجعله أول رئيس أسمر البشرة للمجلس، في وقت تنتظره فيه معركة سياسية مزدوجة تبدأ بمواجهة الرئيس دونالد ترامب ولا تنتهي عند محاولة ضبط التباينات داخل حزبه بين المعتدلين والتقدميين. وأفادت وكالة "رويترز" بأن فوز الديمقراطيين مهّد الطريق أمام جيفريز لتولي رئاسة مجلس النواب، وقيادة الأغلبية الجديدة التي ستؤدي اليمين في الأسبوع الأول من كانون الثاني، بعدما بقي المجلس تحت سيطرة الجمهوريين خلال السنوات الـ4 الماضية. وفي خطاب النصر الذي ألقاه الثلاثاء، أعلن جيفريز أن "اليوم تبدأ العودة الأميركية العظيمة"، موجهاً انتقادات إلى أجندة الجمهوريين بقيادة ترامب في الكونغرس خلال العامين الماضيين. وتعهّد بالعمل على إقرار تشريع يلغي التخفيضات الحادة في الإنفاق على برنامج "ميديكيد" للرعاية الصحية المخصص للفقراء وذوي الإعاقة، والتي كانت قد أُقرت بموجب قانون صدر في 4 تموز 2025. وقال جيفريز إن "الشعب الأميركي قال كلمته وأوضح أنه سئم التطرف وسئم الفساد"، مؤكداً أنه يريد كونغرس يعمل لمصلحة الشعب الأميركي بصورة فعلية. وأشار إلى أن الكتلة الديمقراطية ستضع في أولوياتها مساعدة الفقراء والطبقة المتوسطة على مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة، إضافة إلى فتح تحقيقات في تعاملات إدارة ترامب مع عدد من المديرين التنفيذيين للشركات، بمن فيهم أشخاص تبرعوا بمبالغ كبيرة لحملاته ومشاريعه المختلفة. ويُعد رئيس مجلس النواب المسؤول الأول عن إدارة المجلس المؤلف من 435 عضواً، كما يملك دوراً أساسياً في تحديد مشاريع القوانين التي تُطرح للتصويت، ويحتل المرتبة الثانية في خط خلافة الرئاسة بعد نائب الرئيس جيه دي فانس. ومن المقرر أن يجتمع النواب الديمقراطيون المنتخبون خلف أبواب مغلقة في وقت لاحق من تشرين الثاني لاختيار مرشح الحزب لرئاسة المجلس. إلا أن طريق جيفريز إلى المنصب لا يخلو من العقبات، إذ لا يزال بحاجة إلى ضمان تأييد عدد من التقدميين داخل الحزب، ومن بينهم النائبة المنتخبة عن نيويورك دارياليزا أفيلا شوفالييه، التي امتنعت في مقابلة صحافية عن التعهد بالتصويت له. ووضعت أفيلا شوفالييه مجموعة من الشروط السياسية التي قالت إن على الرئيس المقبل للمجلس دعمها، بينها إصلاحات تتعلق بحقوق التصويت، والاستثمار في الإسكان العام، ووقف إرسال الأسلحة الهجومية إلى إسرائيل، وتوفير الرعاية الصحية للجميع. وفي المقابل، أشارت "رويترز" إلى أن الجماعات المؤيدة لإسرائيل تُعد من بين أكبر المساهمين في حملة جيفريز، الذي اتخذ موقفاً متحفظاً من مقترح "الرعاية الصحية للجميع"، وسط مخاوف لدى عدد من الديمقراطيين المعتدلين من كلفته المرتفعة. وفي هذا السياق، قالت أستاذة شؤون الحكم والسياسة الأميركية في جامعة جورجتاون ميشيل سويرز إن السؤال المطروح يتمثل في حجم التنازلات التي قد يضطر جيفريز إلى تقديمها للحصول على تأييد الجناح التقدمي، في وقت قد يؤدي فيه انحيازه بصورة مفرطة إلى اليسار إلى إثارة اعتراضات داخل صفوف الديمقراطيين المعتدلين. وبحسب أحد كبار المساعدين الديمقراطيين في مجلس النواب، فإن جيفريز قد يبدأ بسلسلة مشاريع قوانين يمكن أن توحّد الحزب، من بينها العمل على إنهاء الحرب في إيران وإعادة دعم مشاريع الطاقة النظيفة. لكن "رويترز" رأت أن التحدي الأكبر أمام جيفريز سيكون القدرة على مد جسور التعاون مع الجمهوريين لإقرار تشريعات حاسمة، بينها رفع سقف الدين الأميركي لتجنب تعثر الحكومة عن سداد ديونها، إضافة إلى تمرير الإنفاق الاتحادي لمنع الإغلاق الحكومي. ومن المنتظر أيضاً أن يقود جيفريز أولويات ديمقراطية أخرى، بينها حماية الضمان الاجتماعي، وإلغاء تخفيضات الجمهوريين على برنامج "ميديكيد" البالغة قيمتها 900 مليار دولار، وإجراء إصلاحات على قوانين الهجرة. وفي المقابل، دعت المتحدثة باسم مؤسسة "ثيرد واي" الديمقراطية المعتدلة كيت ديجرويتر جيفريز إلى مقاومة مطالب بعض التقدميين بمساءلة ترامب بهدف عزله، معتبرة أن خوض مواجهة كبرى حول العزل لن يكون مفيداً للديمقراطيين. ومع استمرار فرز الأصوات في أنحاء مختلفة من الولايات المتحدة، لم يتضح بعد الحجم النهائي للأغلبية التي سيمتلكها الديمقراطيون في مجلس النواب خلال العامين المقبلين، فيما يبقى جيفريز أمام اختبار داخلي حاسم لتوحيد كتلته قبل الانتقال إلى مواجهة سياسية أوسع مع البيت الأبيض.