في تحوّل لافت في خريطة الطاقة العالمية، تدفع الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران دولة قطر، التي كانت حتى وقت قريب أكبر مصدّر للغاز الطبيعي في العالم، نحو الاعتماد المتزايد على الغاز الأميركي لتأمين احتياجات زبائنها الدوليين. فبعد الضربات التي طالت منشآتها الحيوية والاضطرابات التي شلّت حركة الملاحة في مضيق هرمز، بدأت الدوحة إعادة ترتيب استراتيجيتها في سوق الغاز، عبر إبرام صفقات ضخمة مع شركات طاقة أميركية، قد تجعلها أكبر مشترٍ للغاز الأميركي بحلول عام 2033. وبحسب تقرير للصحافي ليئور باكالو، نشره موقع "القناة 12" الإسرائيلية، اليوم الأربعاء، نقلاً عن صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، فإن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران ألحقت أضراراً كبيرة بقدرة قطر على تصدير الغاز الطبيعي، ما دفعها إلى البحث عن مصادر إمداد جديدة خارج منطقة الشرق الأوسط، بهدف ضمان استمرار تلبية التزاماتها تجاه زبائنها حول العالم. وأشار التقرير إلى أن قطر، التي احتفظت لسنوات بموقع الصدارة عالمياً في تصدير الغاز الطبيعي، تواجه اليوم واقعاً مختلفاً، بعدما تجاوزتها الولايات المتحدة في عام 2023 وأصبحت أكبر مصدّر للغاز في العالم. وفي ظل هذه التحولات، يُتوقع أن تتحول قطر بحلول عام 2033 إلى أكبر مشترٍ للغاز الأميركي، في مفارقة تعكس حجم التغييرات التي فرضتها الحرب على قطاع الطاقة القطري. وفي التفاصيل، أبرمت شركة "قطر للطاقة" (QatarEnergy)، المملوكة للدولة، صفقتين في أواخر تشرين الأول لشراء الغاز الأميركي، بما يتيح لها زيادة الكميات التي تستطيع بيعها لزبائنها بنحو 7 ملايين طن سنوياً. وتكتسب هاتان الصفقتان أهمية إضافية بالنظر إلى الاستثمارات القطرية القائمة أصلاً في قطاع الغاز الأميركي، إذ تمتلك قطر حصة تبلغ 70% في مشروع "غولدن باس" (Golden Pass) لتصدير الغاز في ولاية تكساس. وبحسب تقديرات شركة الأبحاث والاستشارات "وود ماكنزي" (Wood Mackenzie)، فإن هذه الاستثمارات، إلى جانب اتفاقيات الشراء الجديدة، ستمنح قطر بحلول عام 2033 السيطرة على كميات تصل إلى 23.7 مليون طن سنوياً من إنتاج الغاز الأميركي. ولا تعني هذه الاتفاقيات أن الغاز المشترى من الولايات المتحدة سيُنقل إلى قطر، بل سيُباع مباشرة إلى زبائنها في مختلف أنحاء العالم، بما يسمح بتجاوز مضيق هرمز وتفادي المخاطر المرتبطة بالملاحة فيه. لكن الفوائد المباشرة لهذه الصفقات لن تظهر على المدى القريب، إذ من المقرر أن تبدأ الإمدادات الناجمة عنها في عامي 2030 و2031. وبالتالي، فإنها لن توفر سوى مساعدة محدودة للزبائن الذين يعانون حالياً من اضطرابات الإمداد الناجمة عن الحرب، فيما تتمثل أهميتها الأساسية في تعزيز قدرة قطر على ضمان التوريد مستقبلاً. وتعود أسباب هذا التحول الاستراتيجي إلى الأضرار الكبيرة التي أصابت قطاع الغاز القطري منذ اندلاع الحرب. فبعد أيام قليلة من بدء العمليات العسكرية، أوقفت قطر إنتاج الغاز، قبل أن تتراجع صادراتها لاحقاً إلى أقل من ثلث مستوياتها المعتادة. وجاء هذا التراجع نتيجة الهجمات الإيرانية على السفن، التي أدت إلى تقليص حركة العبور في مضيق هرمز، وهو الممر البحري الحيوي الذي تعتمد عليه قطر لنقل صادراتها من الغاز إلى الأسواق العالمية. ولم تقتصر تداعيات الحرب على حركة الملاحة، بل امتدت إلى منشآت الإنتاج نفسها. فقد أصابت صواريخ إيرانية مرافق إنتاج الغاز في منطقة رأس لفان، التي تُعد المركز الرئيسي لصناعة الغاز القطرية، ما أدى إلى خسارة نحو 17% من القدرة التصديرية للبلاد. وتشير هذه الأضرار إلى أن تأثير الحرب على قطاع الغاز القطري لن ينتهي بمجرد استعادة حركة الملاحة الطبيعية، إذ تحتاج المنشآت المتضررة إلى عمليات إصلاح قد تمتد لسنوات. وفي هذا السياق، كان وزير الطاقة القطري والرئيس التنفيذي لشركة "قطر للطاقة"، سعد الكعبي، قد أعلن في آذار الماضي أن إصلاح الأضرار التي لحقت بالمنشآت سيستغرق ما يصل إلى 5 سنوات. وتفسّر هذه المعطيات توجه الدوحة إلى توسيع استثماراتها واتفاقياتها في الولايات المتحدة، في محاولة لتأمين مصادر إمداد بديلة تتيح لها المحافظة على حضورها في الأسواق العالمية، رغم التراجع الكبير في قدرتها على التصدير من أراضيها. وفي قراءة للأبعاد التجارية لهذه الخطوة، قال جيسون فير، رئيس قسم معلومات الأعمال العالمية في شركة "Poten & Partners"، إن الصفقات الأميركية الجديدة ستساعد قطر على استعادة سمعتها بوصفها مورّداً موثوقاً للغاز الطبيعي. ولفت إلى أن قطر لم تكن قد تخلّفت عن تسليم أي شحنة من شحناتها المتعاقد عليها قبل اندلاع الحرب، ما جعل موثوقية الإمدادات إحدى أبرز نقاط قوتها في سوق الطاقة العالمية. واعتبر فير أن الاتفاقيات الجديدة ستساهم في ترميم هذه السمعة، عبر تمكين قطر من توفير الغاز لزبائنها من