ينتقل مؤتمر دعم الجيش اللبناني المقرر عقده في باريس خلال أيلول من مستوى التحضيرات التقنية إلى مستوى سياسي رفيع، مع معلومات عن مشاركة رئيس الجمهورية جوزاف عون والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والملك الأردني عبدالله الثاني، إلى جانب ممثلين عن دول عربية وغربية معنية بدعم المؤسسة العسكرية. وتشير المعطيات إلى أن المؤتمر سيعقد يومي 16 و17 أيلول، فيما أكد الجانب الأردني رسمياً موعد 17 أيلول خلال زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى المملكة ولقائه الملك عبدالله الثاني في قصر الحسينية. وخلال اللقاء، أكد العاهل الأردني وقوف بلاده إلى جانب لبنان ودعم جهوده للحفاظ على أمنه وسيادته، كما أبدى دعمه الكامل للمؤتمر الهادف إلى تعزيز الإمكانات العملانية للجيش وقدرته على تولي مسؤولياته الوطنية. لكن أهمية المؤتمر لا تقتصر هذه المرة على تأمين مساعدات عسكرية أو لوجستية إضافية. فهو ينعقد فيما يواجه الجيش استحقاقات متزامنة وثقيلة: توسيع انتشاره في الجنوب، تنفيذ ترتيبات محتملة داخل "المناطق التجريبية"، التعامل مع ملف علي الطاهر، مراقبة الحدود، والاستعداد لمرحلة ما بعد انتهاء ولاية "اليونيفيل" في 31 كانون الأول 2026. ويتقاطع مؤتمر باريس مع توجه أوروبي لإطلاق بعثة تقدم المشورة والتدريب للجيش، وخصوصاً في مجالَي أمن الحدود والأمن البحري. وقد أبدت نحو عشر دول اهتماماً بالمشاركة، على أن يُتخذ القرار الأوروبي الرسمي، وفق المعلومات المتداولة، خلال تشرين الأول المقبل. هذا التزامن يوحي بأن المجتمع الدولي لا يتحرك فقط لتقديم مساعدات مرحلية، بل لبدء بناء هندسة أمنية جديدة يكون الجيش اللبناني في مركزها بعد خروج "اليونيفيل". غير أن نجاح هذا التصور يتطلب أكثر من بيانات سياسية ووعود بالمعدات، ولا سيما أن المؤسسة العسكرية تحتاج إلى تمويل مستدام، وقدرات مراقبة ونقل واتصالات، وتجهيزات هندسية، ودعم للقوات البحرية، إضافة إلى غطاء سياسي داخلي واضح. ويبقى السؤال الأساسي متعلقاً بطبيعة التعهدات التي ستخرج من باريس: هل سيحصل الجيش على مساعدات نوعية مرتبطة بمهماته الفعلية، أم يتكرر سيناريو المؤتمرات السابقة التي حملت وعوداً كبيرة لم يصل منها إلا جزء محدود؟ كما يطرح المؤتمر سؤال الشروط السياسية والأمنية التي قد يضعها المانحون، وخصوصاً في ما يتعلق بحصر السلاح، وضبط الحدود والمعابر، وتولي الجيش المواقع التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية. باريس تحشد إذاً على مستوى القادة، لكن الامتحان الحقيقي لن يكون في صورة المؤتمر أو عدد المشاركين، بل في قيمة ما سيصل إلى الجيش، ونوعيته، والمهام التي سيُطلب منه تنفيذها في أكثر اللحظات حساسية منذ اندلاع الحرب.