حمل العشرات من أهالي السويداء صور أبنائهم المفقودين والمحتجزين في السجون السورية، ووقفوا أمام مبنى محافظة السويداء، الذي تتخذه "إدارة باشان" مقراً لها، صباح الثلاثاء، مطالبين بالكشف عن مصيرهم وإطلاق سراحهم. هذه المرة، كانت مطالب الأهالي موجهة إلى الحكومة في دمشق من جهة، والسلطات المحلية في السويداء من جهة أخرى، في تعبير عن استياء متزايد من تعثر معالجة الملف، ورفض تحويل مصير أبنائهم إلى ورقة ضغط سياسي بين الطرفين. شارك في الوقفة أمهات وآباء وأشقاء لمفقودين ومعتقلين، رفعوا صور أبنائهم وطالبوا الحكومة في دمشق والسلطات المحلية في السويداء بتحمل مسؤولياتها، سواء عبر الكشف عن مصير الذين لا تتوفر معلومات عن أماكن وجودهم، أو العمل على إطلاق سراح المحتجزين. وجاء التحرك في ظل تصاعد قلق العائلات، خصوصاً بعد منعها من زيارة أبنائها المحتجزين في سجن عدرا، وقطع التواصل معهم هاتفياً منذ مطلع تشرين الأول/أكتوبر الماضي، من دون توضيح رسمي للأسباب. وقال الأهالي أمام الكاميرات إنهم لا يريدون أن يبقى أبناؤهم رهينة للاستعصاء السياسي بين الحكومة السورية والسلطات المحلية في السويداء، مطالبين الطرفين بإعطاء الأولوية لسلامة المحتجزين. كما دعوا إلى استئناف المفاوضات وإجراء عملية تبادل جديدة بين أبنائهم وأسرى القوات الحكومية لدى الحرس الوطني في السويداء. يُعد ملف المفقودين والأسرى من أكثر الملفات تعقيداً بين دمشق والسويداء، ويتداخل فيه عدد من القضايا المختلفة، سواء من حيث ظروف التوقيف أو الوضع القانوني للمحتجزين. ووفق مصدر مطلع على المفاوضات تحدث إلى "المدن"، يمكن تمييز ثلاثة مسارات مختلفة. الأول يضم نحو 100 مدني من أبناء السويداء، تقول عائلاتهم إن القوات الحكومية اعتقلتهم من داخل المحافظة خلال أحداث تموز/يوليو 2025، ولا يزال مصيرهم مجهولاً. وتنفي دمشق امتلاك معلومات عنهم أو وجودهم في عهدتها، باستثناء اثنين منهم فقط، فيما تتمسك عائلاتهم بمسؤولية الحكومة عن الكشف عن مصير جميع المفقودين، وتطالب بتقديم معلومات واضحة بشأن أماكن وجودهم. المسار الثاني يشمل نحو 45 شخصاً من أبناء السويداء أُوقفوا على حواجز حكومية أثناء مغادرتهم المحافظة، حيث أُحيل قسم منهم إلى ملف الأسرى، من دون وجود مسار قانوني واضح. أما المسار الثالث، فيوضح المصدر أن من بين السجناء أشخاصاً جرى توقيفهم على خلفية قضايا جنائية ودعاوى شخصية. وتطالب عائلات هؤلاء بتسريع إجراءات محاكماتهم وعرضهم على القضاء، وتقول إن توقيف بعضهم يرتبط بدعاوى شخصية يصفونها بالكيدية، تقدم بها أقارب لضحايا من عشائر البدو. وتكشف شهادات لعائلات تواصلت معها "المدن" جانباً من التداخل بين هذه المسارات، وما يترتب عليه من صعوبات في متابعة القضايا قانونياً ومعرفة مصير المحتجزين. طارق ر.، شاب في العشرينيات من عمره، اعتُقل قبل أربعة أشهر على حاجز المتونة التابع للقوات الحكومية، أثناء محاولته السفر إلى لبنان. تقول والدته لـ"المدن" إنه نُقل إلى سجن عدرا، وإن العائلة أُبلغت لاحقاً بأن اسمه أُدرج ضمن ملف الأسرى تمهيداً لإجراء عمليات تبادل مع الحرس الوطني. كانت والدته تتمكن من زيارته مرة أسبوعياً، وفق مواعيد الزيارة الرسمية، إلى أن توجهت إلى السجن مطلع تشرين الأول/أكتوبر الماضي، فأُبلغت بأن الزيارات توقفت. ولم يقتصر الأمر على ذلك، إذ انقطع التواصل معه هاتفياً أيضاً. وحين حاولت العائلة توكيل محامٍ في دمشق لمتابعة قضيته، اعتذر الأخير عن توليها، موضحاً أن الملف ليس أمام القضاء، وإنما يندرج ضمن ملف الأسرى، بحسب رواية والدته. وفي حالة أخرى، احتجزت القوات الحكومية بسيل عماد من داخل مدينة السويداء في 15 تموز/يوليو 2025، بحسب والدته، التي تقول إن ابنها مدني ولم يشارك في الاشتباكات. ومنذ ذلك التاريخ، لم تحصل العائلة على معلومة موثوقة عن مكان وجوده. وتقول لـ"المدن" إنها تلقت روايات متضاربة، أشارت إحداها إلى سجن عدرا، وأخرى إلى سجن حارم، وثالثة إلى طرطوس، من دون أن تتمكن من التحقق من أي منها. وتضيف أن الحكومة السورية نفت وجود ابنها في سجونها، لكنها لا تزال تحملها مسؤولية الكشف عن مصيره. كما تطالب بالكشف عن المقابر الجماعية وإجراء تحاليل الحمض النووي للجثامين والعينات المتاحة، للتحقق من احتمال وجود ابنها بينها، في ظل غياب أي معلومات حاسمة عن مصيره. مفاوضات متعثرة وقوائم متضاربة شهد ملف الأسرى عمليتي تبادل بين الحكومة السورية والحرس الوطني، أواخر عام 2025 ومطلع عام 2026. وفي منتصف العام الجاري، تشكلت لجنة أهلية من عائلات المفقودين والمغيبين قسراً للإشراف على المفاوضات، عقب حادثة تهريب ثلاثة أسرى من سجون الحرس الوطني، أثارت غضباً واسعاً في الأوساط المحلية بالسويداء. وعقدت اللجنة قبل شهرين اجتماعات مع محافظ السويداء مصطفى بكور ومدير الأم