في ظل التحولات التي تفرزها انتخابات التجديد النصفي الأميركية، وما تثيره من تساؤلات بشأن مستقبل السياسة الخارجية لواشنطن وانعكاساتها على لبنان والمنطقة، تتقدم مسألة المصالح الأميركية باعتبارها العامل الثابت في تحديد توجهات الولايات المتحدة، بصرف النظر عن هوية الحزب الذي يمتلك الأكثرية في الكونغرس. وفي هذا السياق، برز تأكيد أن الرهان الإيراني على فوز الديمقراطيين لتخفيف الضغوط عن طهران هو رهان خاسر، في مقابل التشديد على وجود توافق أميركي بشأن ضرورة قيام دولة لبنانية سيدة ومستقلة. وفي مقابلة ضمن برنامج "3:15 إجتماع" عبر شاشة "RED TV"، اعتبر المدير التنفيذي لملتقى التأثير المدني، الدكتور زياد الصائغ، أن انتخابات التجديد النصفي الأميركية ستحمل 3 تغيّرات أساسية على مستوى المشهد السياسي في الولايات المتحدة. وأوضح أن التغيير الأول يتمثل في عودة الديمقراطيين بقوة إلى الكونغرس واستعادة دور الرقابة التشريعية، فيما يرتبط التغيير الثاني بإعادة النظر في السياسة الداخلية الأميركية، أما الثالث فيتعلق بكيفية التعاطي مع السياسة الخارجية. إلا أن الصائغ شدد على أن هذه التحولات لا تعني بالضرورة تغييراً جذرياً في التوجهات الاستراتيجية لواشنطن، مؤكداً أن السياسة الخارجية الأميركية لا يصوغها الديمقراطيون وحدهم ولا الجمهوريون وحدهم، بل تقوم على التقاء الطرفين حول المصلحة الأميركية. وأشار إلى وجود توافق بنيوي بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري بشأن السياسة الخارجية للولايات المتحدة، لافتاً إلى أن أياً منهما لا يريد أن تتعرض أميركا للهزيمة في سياستها الخارجية. وفي ما يتعلق بالملف الإيراني، استبعد الصائغ أن يتجه الديمقراطيون نحو تطبيع العلاقات مع النظام الإيراني، معتبراً أن التوافق القائم بين الحزبين على مستوى المصالح الأميركية يبقى عنصراً أساسياً في تحديد كيفية التعامل مع طهران. أما على المستوى اللبناني، فأكد أن الأولوية بالنسبة إلى لبنان تكمن في أن يبقى ضمن دائرة المصالح الأميركية، بصرف النظر عن التوازنات الحزبية داخل الولايات المتحدة. وقال إن ما يعني اللبنانيين هو استمرار الاهتمام الأميركي بلبنان، سواء كان القرار بيد الديمقراطيين أو الجمهوريين أو المستقلين. وفي هذا الإطار، شدد الصائغ على أن الديمقراطيين والجمهوريين والمستقلين يريدون لبنان دولة سيدة ومستقلة، مؤكداً أنه لا مجال لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء. ومن جهته، تناول المدير التنفيذي للمعهد الأميركي اللبناني للسياسات، جوزاف الحاج، طبيعة تأثير الانتخابات على صناعة القرار الأميركي، ولا سيما في ما يتعلق بالسياسة الخارجية. وأوضح الحاج، خلال المقابلة نفسها، أن السياسة الخارجية الأميركية تقع بصورة شبه حصرية ضمن صلاحيات السلطة التنفيذية، ما يعني أن التحولات داخل الكونغرس لا تنقل تلقائياً إدارة هذا الملف إلى الحزب الذي يحقق تقدماً انتخابياً. وانطلاقاً من هذه المعادلة، اعتبر الحاج أن الرهان الإيراني على أن فوز الديمقراطيين سيؤدي إلى تخفيف الضغوط عن طهران هو رهان خاسر. وفي ما يتعلق بالتأثير السياسي لأصوات اللبنانيين في الانتخابات الأميركية، أوضح الحاج أنها لا تؤثر بصورة كبيرة في تحديد فوز مرشح لمجلس الشيوخ أو خسارته، لكنها تشكّل مدّ يد له، بما يتيح للناخبين محاسبته لاحقاً. وتكشف المواقف التي طُرحت خلال المقابلة عن تقاطع في قراءة تأثير الانتخابات الأميركية على لبنان والمنطقة، إذ يشدد الصائغ على استمرارية المصالح الأميركية والتوافق بين الحزبين الرئيسيين بشأن السياسة الخارجية، فيما يركز الحاج على الدور شبه الحصري للسلطة التنفيذية في إدارة هذه السياسة، وعلى محدودية الرهان الإيراني على تبدّل الأكثرية داخل الكونغرس. وبين عودة الديمقراطيين إلى موقع أكثر تأثيراً في الكونغرس واستمرار دور السلطة التنفيذية في رسم السياسة الخارجية، تبقى الرسالة الأساسية التي حملتها المقابلة أن تبدّل التوازنات السياسية في واشنطن لا يعني بالضرورة تبدّل مصالحها الاستراتيجية، وأن التحدي بالنسبة إلى لبنان يتمثل في الحفاظ على موقعه ضمن هذه المصالح، فيما لا يبدو الرهان على اختلاف الجمهوريين والديمقراطيين بشأن إيران خياراً مضمون النتائج.