بات خطاب الكراهية والتحريض يثير هواجس معظم متابعي الشأن العام في سوريا، من أخصائيين اجتماعيين وقانونيين وحتى سياسيين، لا سيما أن المسألة اتخذت بعداً يشي بأن ثمة ما هو مُدار وممنهج عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وفقاً لمصالح وأجندات تطفو تباعاً على السطح، وربما لم يعد من الصعب التقاطها بوضوح. وفقاً لتقرير سابق نشرته هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، حلل فريق التحقق عيّنة من 50,000 منشور على منصة X تحتوي على اتهامات كاذبة أو غير موثوقة ضد الإدارة السورية الجديدة. ووجدوا أن 60% من هذه المنشورات جاءت من حسابات خارج سوريا. ويشير التقرير إلى أن هذه الحسابات تنسّق لنشر خطاب طائفي ومعلومات مضللة. وتبين أن المصادر الرئيسية لخطاب الكراهية والمعلومات المضللة الموجهة ضد سوريا على منصات التواصل الاجتماعي تتركز في العراق وإيران ولبنان. وظهر أن معظم المحتوى الذي يرصد خطاب الكراهية داخل سوريا يأتي من مستخدمين محليين. ويحتل فيسبوك الصدارة. وبدوره أشار تقرير "تحالف الصحفيات" استناداً إلى 64 حالة موثقة في حزيران 2026 إلى أن الغالبية العظمى من محتوى خطاب الكراهية يظهر على فيسبوك، يليه تيليغرام ثم X. ويُستخدم تيليغرام في بعض الدوائر المغلقة، حيث تكون سياسات مراقبة المحتوى أكثر تسامحاً نسبياً، مما يجعل من السهل انتشار المواد العدائية. أما X "تويتر سابقاً" فتوجد عليه شبكات منسقة من الحسابات الأجنبية، لكنه ليس المنصة الرئيسية لخطاب الكراهية اليومي في سوريا. أمام هذا المشهد المثير تشتعل الهواجس لدى العقلاء من كل أطياف المجتمع السوري، على خلفية إدراكهم لخطورة ما يجري. ويحذّر السياسي والأكاديمي السوري أحمد بكورة من خطاب الكراهية في سوريا، ويراه خطراً حقيقياً على السلم الأهلي والتعافي المجتمعي، إذ يحوّل الخوف والمظالم المتراكمة إلى عداوات جماعية، وقد يمهّد للانتقال من التحريض إلى العنف. ولفت في حديث لـ"المدن" إلى أن خطورة الأمر تكمن في الوصم الجماعي، حين تُحمّل طائفة أو جماعة أو منطقة مسؤولية جرائم ارتكبها أفراد أو شبكات سلطة. لذا يُركّز على أهمية التمييز بين الأسدية السياسية بوصفها منظومة استبداد وقمع وفساد وشبكات نفوذ ومصالح، وبين الانتماءات الاجتماعية والطائفية للسوريين. فالمساءلة العادلة تقوم على الفعل والدور والدليل، وتحمي حقوق الضحايا والمجتمع من الإفلات من العقاب والانتقام الجماعي. بدوره يعيد الدكتور عمار تركاوي، أستاذ القانون في جامعة دمشق، ممارسات خطاب الكراهية إلى تقاليد المراحل الانتقالية التي تشهدها المجتمعات في أعقاب الثورات والنزاعات المسلحة أو التحولات السياسية. ووفقاً له، يبرز هذا الخطاب البغيض كأحد أخطر التحديات التي تهدد السلم والاستقرار الاجتماعي وتقوض المصالحة الوطنية. ويحذّر من أنه في مثل هذه الفترات الحساسة يمكن لخطاب الكراهية أن يؤجج الانقسامات العرقية والدينية والسياسية، ويعرقل عملية بناء الثقة بين مكونات المجتمع ويفتح الباب أمام تصاعد العنف المجتمعي. ويضيف أن خطاب التحريض والكراهية يؤثّر على جوهر وأداء مسار العدالة الانتقالية في سوريا، لأنه يؤدي إلى تحويل الخلافات السياسية والاجتماعية إلى خوف متبادل وصراعات هوية تمنع المصالحة وتجهض جهود المساءلة وجبر الضرر. فالتحريض يزرع الخوف والرعب لدى الشهود والضحايا، مما قد يدفعهم للإحجام عن الإدلاء بشهاداتهم أو الإبلاغ عن الانتهاكات خشية التعرض للاستهداف المجتمعي أو الأمني. والسؤال الذي يُطرح: كيف نكبح جماح الضخّ السلبي المتبادل والمتواتر بما يليق بتطلعات السوريين إلى مستقبل أكثر طمأنينة واستقراراً؟ وهنا يقترح د. تركاوي تجريم خطاب الكراهية من خلال تعديل قانون الإعلام والجرائم الإلكترونية، وتشديد العقوبات الرادعة وسن قوانين واضحة تجرّم الخطابات التحريضية. والأهم جمع ممثلين عن مختلف المكونات المجتمعية، من مؤسسات دينية ومنظمات مجتمع مدني ونخب فكرية وشخصيات اجتماعية، في حوار وطني شامل لمناقشة أسباب وتداعيات خطاب الكراهية والتوافق على رؤية مشتركة للتصدي له. ويجب أن يكون الحوار مبنياً على مبادئ الاحترام المتبادل وقبول الآخر وأن يساهم في بناء الثقة بين الأطراف كافة. كما يمكن للتعليم أن يلعب دوراً مهماً في معالجة خطاب الكراهية، من خلال إدراج مفاهيم التسامح والحوار ونبذ العنف في المناهج الدراسية. كما يمكن تنظيم فعاليات ثقافية وفنية تعزز هذه القيم وتشجع على التفاهم والتعايش السلمي بين مختلف مكونات المجتمع. بدوره يجزم السياسي أحمد بكورة بأن مواجهة خطاب الكراهية مسؤولية وطنية ومجتمعية مشتركة، تبدأ من الأسرة والمدرسة، وتمتد إلى الإعلام والمؤسسات الدينية والأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني والإدارات المحلية ومؤسسات الدولة، كلٌّ وفق دوره ومسؤوليته. وتتطلب المواجهة برأيه: · تسريع العدالة الانتقا