لم تكن الانتخابات النصفية الأميركية لعام 2026مجرد استحقاق انتخابي لتجديد مقاعد في الكونغرس، بل تحولت إلى استفتاء سياسي على أداء الرئيس دونالد ترامب، وعلى الخيارات التي انتهجتها إدارته داخلياً وخارجياً، ولا سيما الحرب على إيران وتداعياتها الاقتصادية والاستراتيجية. فقد تمكن الحزب الديمقراطي من انتزاع السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، في تحول يعيد رسم موازين القوى داخل المؤسسات الأميركية، ويضع إدارة ترامب أمام واقع سياسي مختلف خلال العامين الأخيرين من ولايته. وهي نتيجة تعكس تحولاً واضحاً في المزاج الانتخابي الأميركي، بعدما انتقل جزء من الناخبين الذين دعموا الجمهوريين في الانتخابات الرئاسية السابقة إلى التصويت لمصلحة الديمقراطيين. لا يمكن تفسير هذه الخسارة بعامل واحد، بل بمجموعة من العوامل المتداخلة، يأتي في مقدمتها الاقتصاد والحرب على إيران وتراجع الثقة بإدارة البيت الأبيض. أول هذه العوامل يتمثل في الحرب على إيران، التي تحولت من ملف خارجي إلى قضية داخلية تؤثر مباشرة في حياة الأميركيين. فارتفاع أسعار الطاقة والوقود، واضطراب الأسواق وسلاسل الإمداد، وتزايد المخاوف من اتساع المواجهة، جعلت المواطن الأميركي يشعر بأن كلفة الصراع لم تعد بعيدة عنه. لقد دخلت الإدارة الأميركية المواجهة تحت عناوين الأمن القومي والحد من القدرات الإيرانية، لكنها وجدت نفسها أمام تساؤلات متزايدة حول أهداف الحرب ومدتها وكلفتها والنتائج التي حققتها. وهذا ما جعل الحرب أحد العوامل التي ساهمت في تراجع شعبية الجمهوريين. أما العامل الثاني فهو الاقتصاد وتكاليف المعيشة. فوعود ترامب بتحسين الوضع الاقتصادي لم تقنع قطاعات واسعة من الناخبين، في ظل استمرار الضغوط التضخمية وارتفاع تكاليف الحياة، وتأثير الرسوم الجمركية والتوترات التجارية في الأسواق. كذلك ساهمت حالة الانقسام السياسي، والجدل حول إدارة السلطة والفساد وتضارب المصالح، في تراجع الثقة بالبيت الأبيض. كما أن تحويل ترامب الانتخابات إلى مواجهة شخصية بينه وبين خصومه جعل نتائجها بمثابة محاسبة مباشرة على أدائه، وليس مجرد منافسة بين مرشحين. واللافت أن التراجع الجمهوري لم يقتصر على الولايات المتأرجحة، بل امتد إلى ولايات كانت تُعد معاقل تقليدية للحزب، ما يعكس اتساع دائرة الاعتراض على سياسات الإدارة. إن سيطرة الديمقراطيين على مجلسي النواب والشيوخ تعني دخول الولايات المتحدة مرحلة الحكم المنقسم، حيث يصبح الرئيس من حزب، والأغلبية التشريعية من الحزب المنافس. وهذا التحول يمنح الديمقراطيين قدرة أكبر على مراقبة الإدارة وفتح التحقيقات واستدعاء المسؤولين ومساءلتهم بشأن القرارات السياسية والعسكرية والاقتصادية. كما ستصبح عملية تمرير الموازنات والتشريعات والإنفاق العسكري أكثر تعقيداً، وستواجه تعيينات المسؤولين والقضاة التي تحتاج إلى مصادقة مجلس الشيوخ رقابة أشد. لكن ذلك لا يعني شلُّ الرئاسة أو تجريد ترامب من صلاحياته. فهو سيحتفظ بسلطاته التنفيذية والدستورية، ولا سيما في السياسة الخارجية وقيادة القوات المسلحة، وإن كان سيواجه صعوبة أكبر في تنفيذ برنامجه دون تفاهم مع الكونغرس. ومن هنا يبرز سؤال العزل السياسي. فسيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب تتيح لهم إطلاق إجراءات عزل الرئيس، لكن إدانته وإقالته تتطلبان موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ الحاضرين، وهو ما لا تضمنه الأغلبية الديمقراطية الحالية. وبالتالي، فإن المساءلة والتحقيقات والضغط السياسي تبدو أدوات أكثر واقعية من افتراض أن خسارة الانتخابات ستؤدي تلقائياً إلى إقالة ترامب. الحرب على إيران... هل تقترب التسوية؟ هذا هو البعد الأكثر أهمية بالنسبة إلى الشرق الأوسط. فنتائج الانتخابات لا تتعلق فقط بموازين القوى داخل واشنطن، بل بقدرة الإدارة الأميركية على مواصلة حرب مكلفة في منطقة شديدة الحساسية. لقد أظهرت الانتخابات أن استمرار المواجهة الخارجية لم يعد يحظى بالقبول نفسه لدى قطاعات واسعة من الناخبين، خصوصاً عندما يترافق مع ضغوط اقتصادية داخلية. وهذا قد يدفع ترامب إلى إعادة تقييم أهداف الحرب والبحث عن مخرج سياسي يحفظ المصالح الأميركية ويجنِّب الولايات المتحدة استنزافاً طويل الأمد. كما أن وجود كونغرس معارض سيزيد الضغوط المتعلقة بتمويل العمليات العسكرية ومراقبة القرارات المرتبطة باستخدام القوة. ولن يكون بإمكان الإدارة التعامل مع الحرب باعتبارها ملفاً مفتوحاً بلا مساءلة سياسية. في المقابل، لا ينبغي أن تقرأ إيران النتائج باعتبارها انتصاراً نهائياً لها أو دليلاً على فقدان واشنطن قدرتها العسكرية. لكنها قد تجد في التحول السياسي الأميركي فرصة لتعزيز موقعها التفاوضي والتمسك بشروطها المتعلقة بالضمانات ووقف الاعتداءات والعقوبات وترتيبات الأمن الإقليمي. وتبقى المفارقة أن ارتفاع كلفة الحرب قد يدفع وا